“الدكة”.. حديث الذكريات وماضٍ يأبى الاندثار

مدة القراءة: 4 دقائق

الأحساء – عبدالعزيز الجبر

تكاد تكون اندثرت إلا قليلًا؛ إلا أن حكاياتها وذكرياتها تأبى الاندثار.. كيف لا وقد جمعت الوجهاء والعلماء، الكبار والصغار، الأجداد والآباء والأحفاد.. وحفرت مع الزمن ذكريات وقصصًا وتجارب لا تنسى.. إنها الدكة والتي تعرف حاليًا بـ”الدشة” أو “الكنبة” والتي أصحبكم خلال السطور التالية مع بعض ملامح تاريخها العابق، وخاصة وأنا أرى كثيرًا من أرثنا التاريخي أندثر، ولم يتبقَ منه سوى حديث الذكريات، وحكايات تروى بين الفينة والأخرى على لسان من عاصره أو ممن ظل في خلده شيء من الحنين والشوق إلى تلك الحقبة الزمنية.

وكجزء من ذلك الإرث أردت هنا إلقاء الضوء على هذا الموروث، محاولًا ما استطعت إلى ذلك سبيلًا إظهار أثر وقعه في نفوس البعض واستخراج ما في القلوب من حرقة وما في الحلوق من غصة لتلاشي تلك الموروثات واختفائها، وبروز بشكل لافت عوامل الحنين والشوق إلى عبق الماضي؛ اخترت فقط أن يلامس هذا المقال جانبًا واحدًا كعينة وكرمز من أثر الماضي.

“الدشة” مجلس التقاء الرعيل الأول

“الدكة” أو ما يطلق عليها بالمصطلح المحلي “الدشة” هي بناء يتكون من طين ولبن، مرتفعة عن الأرض نسبيًا تشبه في وقتنا الحاضر الكنب من حيث الارتفاع، كان الرعيل الأول يجلسون عليها في أوقات فراغهم يتسامرون ويتجاذبون أطراف الحديث، وتعتبر ضمنيًا مجلس التقاء واجتماع لهم.

كانت تبنى “الدشة” في “العاير”، وهو زاوية الطريق، أما من كان يتكفل ببنائها، فهم وجهاء البلد مثل العمد وكبار القوم، ويعود ذلك إلى قدراتهم المادية، وكذلك لغرض الإشارة إليهم كنوع من الوجاهة الاجتماعية -بحسب مختصين.

وكانت “الدكة أو “الدشة” تستخدم لاجتماع أهل الحارة أو الحي من رجاله وأبنائهم بشكل يومي في الصباح والمساء، حيث يتلاقون الكبار والصغار فيتناقلون أخبارهم، ويتشاورون في كل أمورهم، ويتعلم الأطفال من خلال هذه اللقاءات الأدب والأخلاق الحميدة، وعلوم الرجال، ويستمعون إلى الأحاديث وقصص القدماء.

وعادة جلسة الطرقات ليست بجديدة، بل هي قديمة جدًا حتى إنها كانت موجودة في عهد الإسلام، ويدل على ذلك الحديث المروي عن المصطفى صلى الله عليه وسلم: “فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والجلوس في الطرقات. قالوا يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا وما حق الطريق يا رسول الله. قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” (متفق عليه).

حديث الذكريات

وبما لديّ من شغف كبير وشوق ملتهب لسماع الأحاديث والقصص الرائعة عن ذلك الزمان الجميل، الذي يسوده الود والاحترام والمحبة بين جميع فئاته، بدأت الاستطلاع عن آراء بعض من أهالي مدينة الجفر المعاصرين لتلك الحقبة الزمنية، فتحدث لي بداية أحد كبار السن وهو الشيخ سعد بن عبدالرحمن المهنا، قائلًا في بداية حديثه “العاير! أحد منكم لا يعرف العاير”؛ تلك هي كلمتهم المشهورة والمتداولة بين الناس في الزمن القديم، ثم ابتسم لي وفي نظراته ذلك الشوق الكبير والحنين التي تحمله تلك العين إلى الجيل القديم الذي تربى وكبر معهم وما بقي منهم إلا القليل.

ذهب الأصحاب وذهبت معهم أجمل الذكريات، تلك هي معاني نظراته الحزينة لي، ومن ثم واصل حديثه المشوق عن تلك الدكات، ومدى أهميتها قديمًا عند أبناء مدينته، حيث يكون اللقاء بعد رجوعهم من أوقات العمل، وهذا سبب اختيارهم في وقت الليل -على حد قوله- ليجتمع الناس ولا يتغيب منهم أحد.

وعن أهمية العاير في ذلك الوقت، قال الشيخ المهنا: “الجميل أننا نرى الجيران والأصحاب والأقارب في تلك الجلسة لدرجة لا نفقدهم أبدًا؛ عكس ما يحدث في هذه الأيام نراهم فقط في المناسبات والمساجد، والحمد لله على كل حال لا يدوم إلا وجهه”.

وذكر أهم الدكات المشهورة في ذلك الزمان، مثال: دكة عيسى المبارك الراشد (رحمه الله), ودكة خليفة الخضير، مؤكدًا أن تلك هي أشهرها في ذلك الوقت، وختم قوله بسؤاله لي: “هل تريد الذهاب إلى العاير..؟”، ثم قال: “هذا هو جوابي لو سألتني عن العاير في ذاك الزمن لترى معنى التلاحم والاتصال البشري بين أطياف المجتمع قديمًا”.

سبب اختفاء “الدكة” في هذا الزمان

بالرغم من الذكريات الجميلة التي عشتها في الحديث المطول مع الشيخ سعد بن عبدالرحمن المهنا، إلا أنني مازلت أواصل البحث في أنحاء مدينتي عن تلك الدكات، وسبب اختفائها في هذا الزمن حتى رأيت دكة الشيخ حمد فرج المري، التي تعد من أشهر الدكات آنذاك، وهو الذي أنشأها بنفسه من أجل والده (رحمه الله)، ومن ذلك الوقت حتى يومنا هذا، وهو متمسك بذلك التراث الجميل، والذي بالتأكيد له طابع خاص في نفسه، فهي بالنسبة له أجمل الذكريات، ومازال يعيشها بالرغم من اختلاف الزمان والأفكار والأشخاص.

فبدأت بسؤاله عن سبب اختفاء هذه الدكات في وقتنا الحالي؟ فقال: “هل تعلم يا ابني أن هذه الدكة لو يعود بك الزمان إلى الوراء قليلًا لا تستطيع الجلوس معنا بسبب الازدحام الحاصل من الناس، وسوف ترى الصغير يزاحم الكبير للجلوس معهم للتزود من طباعهم الجميلة وصفاتهم الحميدة، وما يمتلكون من روح الأخوة والجسد الواحد، أما سبب الاختفاء فيعود إلى أسباب كثيرة منها من توفاه الله، ومنهم من انتقل إلى مدن أخرى لكسب لقمة العيش، ومنهم من أعياه المرض – كانوا يعتبرون لمثل هذه الأماكن متنفسًا لهم”.

وأضاف: من الأسباب أيضًا تغير الحقبة الزمنية وظهور التكنولوجيا التي تسببت في البعد والانشغال بها في كل وقت، فكيف يمكنهم الجلوس بالدكة والاقتداء بأجدادهم وآبائهم وتراثهم الجميل؟”، وأكد لنا في حديثه أنه لازال محتفظًا لتلك الذكريات الجميلة بجلوسه حتى وإن كان بمفرده لتعود به الذاكرة إلى الوراء وليتذكر ذلك الزمان المليء بالطيبة.

وفي ختام الحديث، تطرّق لكلمة الفصل في تركيبة الجيل الحالي وابتعادهم عن الدكات بكلمة “دائمًا مشغولين”، يقول تلك هي الكلمة التي تزعجني ودائمًا أسمعها وباستمرار في حال طلبي لأحد المارة بالجلوس بالدكة لسماع القصص الجميلة عن هذه الأرض وشجاعة أجدادهم، وشرب القهوة والشاي لكن لا جدوى في ذلك، سبحان مقلب الحال إلى حال.

نصيحة إلى هذا الجيل

انتهيت من جميع الأسئلة المتعلقة عن تلك “الدكة” بمقابلتي مع الشيخ حمد المري، واحتفظت بداخلي بالذكريات الرائعة والمعلومات الثمينة لذلك الجيل “جيل الطيبين” الذين سطروا معنى الوفاء لحبهم وتمسكهم بعاداتهم الجميلة واحتفاظهم بنهج أجدادهم (رحمهم الله) حتى جاء هذا الجيل “جيل التكنولوجيا” والتطور العمراني الذي حدث وعم البلاد (حفظها الله) واختفت معها بعض المباني القديمة التراثية، وبعض العادات المتعلقة بالماضي، وهذه هي حال الدنيا وسنة الله في خلقه.

السيد عيسى بن علي المزيعل من سكان مدينة الجفر، أحد هؤلاء الذين لهم ذكريات جميلة مع ذلك الجيل، والذي ابتدأ حديثه، قائلًا: لي وقفة هنا لابد من ذكرها وهي أن هذه الجلسات هي خاصة بأهل الحارة أو البلد فقط، وفي ذات الوقت هي مضيفة لعابري السبيل مرورًا على هذه الأماكن، فتقدم لهم الضيافة ويستأنسون معهم ثم يواصلون طريقهم، أما من يحل ضيفًا, فهو يضيف داخل المنزل بالمجلس الرئيس.

وختم “المزيعل” حديثه بنصيحة موجهة لهذا الجيل، طالبًا إعادة تفعيل هذه الجلسات الطيبة لما فيها من فوائد جمة لا تحصى ولا تعد، ويكفي أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقرها لأصحابه ولم يمنعهم ولكن طلب منهم شروط يجب اتباعها.

وتابع: لهذا فأتمنى من جيلنا الحالي إعادة هذه الجلسات واختيار جلساء الخير ذوي الأخلاق الرفيعة والعقول النيرة والمشورة الطيبة؛ ليلتم شملنا المتشتت حاليًا، وتسود بيننا الألفة والمحبة، فنتشاور ونتعاون ونسمع من الحضور ما يفيدنا ويفيد بلدنا في الوقت الحاضر والمستقبل؛ كي نرى بلدنا في صفوف البلاد المتقدمة والمتطورة في شتى المجالات.

أرث ثمين نريد إعادة أحيائه

لقد رأيت حزنًا عميقًا وشوقًا حراقًا وحنينًا رقراقًا في عيون ونفوس من قابلتهم وتحدثوا وعرفوا ماهية “الدكة” وما أهدافها ومالها من أهمية؛ هي جزء مهم تمثل دورًا رئيسًا في أسلوب المعايشة الاجتماعية في ذاك الزمن، ومن ضمن مهامهم الأساسية في جدولهم اليومي، وهي أرث ثمين، فهل يعي جيل اليوم قيمة ذلك الإرث، وما يعنيه التصاقًا بالجذور وامتدادًا للساق والأغصان والأوراق؟

بحق… نريد أن نعيد أحياء كل الموروثات؛ لنغرس في نفوسنا ونفوس أبنائنا معنى وقيمة تاريخ الأولين منا، ونجدد العهد بالسير على نهجهم، ونحتفظ بتلك القيم حتى نصنع المستقبل المشرق من نفحات الماضي المجيد.

 

التعليقات مغلقة.