دراسة: السل والكوليرا والطاعون فتكت بآلاف الأحسائيين تحت الحكم العثماني الثاني

مدة القراءة: 6 دقائق

الأحساء – خاص

كشفت رسالة ماجستير قدمتها الباحثة نادية محمد العنزي لقسم الدراسات الاجتماعية، تخصص التاريخ الحديث والمعاصر، في كلية الآداب بجامعة الملك فيصل، 2017، الحقائق التاريخية عن الأوضاع الصحية في الأحساء خلال حوالي 42 عامًا من وجهة نظر تعتمد على تحليل المعلومات المتوافرة في المصادر والمراجع المختلفة من العربية والأجنبية.

وحاولت الدراسة، التي حملت عنوان “الأوضاع الصحية في متصرفية الأحساء” توضيح تأثير تلك الأوضاع الصحية في متصرفية الأحساء في الجوانب السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المنطقة خلال الفترة من (1288-1331هـ/1871-1913م) وهي الفترة التي أصبحت تحت الحكم العثماني الثاني بعد الحملة التي قادها مدحت باشا عام 1288هـ/1871م لضم الأحساء. والتي تصادفت مع وجود تنافس القوى الاستعمارية الغربية في المنطقة، حيث أسهمت بصورة أو بأخرى في الحد من انتشار تلك الأمراض والأوبئة من خلال إنشاء المراكز الصحية في الخليج، وإبرام العديد من الاتفاقيات السياسية والمتضمنة في بعض الملامح الطبية.

كذلك حاولت هذه الدراسة أن تتيح الفرصة للقارئ التوصل إلى حقائق جديدة تتعلق بالخدمات الصحية التي كانت تقدمها الإرساليات الأجنبية والمرتبطة بمعتقداتها التنصيرية ونشرها بين عامة الناس في المنطقة .

وتشير الدراسة إلى أنه نظرًا لموقع الأحساء الإستراتيجي المهم في شرق الجزيرة العربية, وأنها ذات بُعد حضاري عريق، فقد لعبت دورًا اقتصاديًا مهمًا في تاريخ المنطقة، بنشاطاتها التجارية المختلفة في التجارة الداخلية والخارجية، وذلك من خلال الدور الذي قام به ميناء العقير منفذها الرئيس على الخليج العربي، بل ومركز تواصلها مع العالم الخارجي، والذي تلقت منه أغلب احتياجاتها من الهند وشرق آسيا وإفريقيا وأوروبا، ومنه اجتاحتها الأوبئة والأمراض، مما أدى إلى ضرورة اتخاذ إجراءات صحية للحد من انتشارها، وكان من أهمها: فرض الحجر الصحي على ميناء العقير والقطيف وقطر.

وقد اعتمدت الدراسة على المصادر الأولية والمراجع المختلفة ويأتي في مقدمتها الوثائق المحلية، والعثمانية، والبريطانية، وكذلك المخطوطات المحلية مثل: مخطوطة “الرحمة في الطب والحكمة لأبي بكر بن محمد الأحسائي”، وأيضًا مخطوطة “مرض البلش” لمؤلفة الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل مبارك المتوفي في عام 1305هـ/ 1888م، وأيضًا كتب الرحالة الذين زاروا المنطقة عهدئذ مثل رحلة صموائيل زويمر، ورحلة ورال، وغيرها من المصادر والمراجع التي أثرت البحث.

وقد قُسمت الدراسة إلى تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة، إضافة إلى فهرس للمصادر والمراجع، وآخر للمحتوى، حيث تناول التمهيد ثلاثة مباحث وهي موقع الأحساء وأهميته الإستراتيجية والاقتصادية، والأوضاع العامة في الأحساء وسيطرة العثمانيين عليها، وتاريخ الطب الشعبي والتطبيب وطرق العلاج في الخليج العربي قبل القرن التاسع عشر الميلادي.

وجاء الفصل الأول في ثلاثة مباحث تطرق الأول منها إلى العوامل التي أدت إلى انتشار الأمراض والأوبئة، فيما تناول الثاني الأمراض والأوبئة المنتشرة في الأحساء عهدئذ، أما المبحث الثالث فتطرق إلى المنشآت الطبية الحكومية وغير الحكومية في متصرفية الأحساء.

أما الفصل الثاني فتناول ثلاثة مباحث: تطرق الأول إلى الخدمات الطبية والمحاجر الصحية في متصرفية الأحساء، وركز الثاني على المؤتمرات الطبية وما نتج عنها، وأما المبحث الثالث فتطرق إلى الدور الطبي للإرسالية التنصيرية الأمريكية في متصرفية الأحساء.

في حين تناول الفصل الثالث ثلاثة مباحث استعرض الأول أثر الأوضاع الصحية في الأحساء على الأحوال السياسية والإدارية، وتناول الثاني أثر الأوضاع الصحية على الأحوال الاقتصادية في الأحساء، في حين تناول المبحث الثالث أثر الأوضاع الصحية في الأحساء على الأحوال الاجتماعية والثقافية.

وأخيرًا، رصدت الخاتمة أهم النتائج التي توصلت لها الدراسة، والتي انتهت بعدد من الملاحق تحتوي على صور لبعض الوثائق الأصلية المتعلقة بموضوع الدراسة، التي يمكن أن يستشرف منها للمستقبل في معرفة تاريخ الأمراض المستوطنة في الأحساء، ودراسة الأمراض الوراثية والوبائية وغيرها من الأمراض التي مازالت تأثر في أهل الأحساء.

عوامل انتشار الأمراض

حاولت الباحثة في هذه الدراسة استعراض بعض عوامل انتشار الأمراض والأوبئة في الأحساء، والتي تضمنت العوامل المناخية إذ يعتبر المناخ من العوامل المباشرة التي تؤدي إلى انتشار الأمراض، ومن تلك الأمراض التي كانت تنتشر في فصل الصيف في الأحساء والمناطق المجاورة لها الرمد، والتراخوما، والسل، والملاريا، والكوليرا، والزحار وخاصة عند هبوب العواصف الرملية.

وثاني تلك العوامل البيئة والتي تؤثر تأثيرًا كبيرًا في الصحة، وتظهر من خلال إهمال النظافة وأكوام النفايات، ووجود المواد العفنة في البلاد ما يؤدي إلى انتشار الأمراض مثل مرض الحمى والتيفوئيد واصفرار الوجه، وكان للحشرات أيضًا دور مباشر في نقل الأمراض، ومن أبرز تلك الحشرات المسببة للأمراض والمنتشرة في الأحساء والمناطق المحيطة بها البعوض، أيضًا الفئران أحد أهم المصادر الناقلة لمرض الطاعون والتي انتشرت في نطاق واسع في المنطقة بسبب وجود كميات كبيرة من القمامة، والأوساخ الملقاة في الطرقات، إضافة إلى ذلك فإن الحيوانات لها دور في نقل بعض الأمراض مثل؛ البقر الذي كان حليبها أحد الأسباب في الإصابة بالسل المعروف بسل البقري في الخليج العربي.

وأخيرًا، العدوى وهو انتقال المرض من شخص إلى شخص آخر، موضحة أن هذي العدوى تنتقل في موسم الحج، ومن خلال الحركة التجارية في متصرفية الأحساء التي تميزت كمنطقة إستراتيجية، ذات مكانة اقتصادية مهمة في المنطقة وترتبط مع العالم الخارجي من خلال منفذها الرئيس ميناء العقير.

الأوبئة المنتشرة في الأحساء

تشير الدراسة إلى أن منطقة الخليج العربي عرفت خلال القرون الماضية تفشي العديد من الأمراض والأوبئة، ولم تكن الأحساء بمعزل عن تلك الأمراض المتوطنة والوبائية، التي أثرت في منطقة الأحساء وطبيعتها، مسلطة الضوء على أبرز تلك الأمراض المستوطنة والوبائية في متصرفية الأحساء خلال فترة الدراسة وهي (الرمد، والتراخوما، والسعال الديكي، والحصبة، والسل، والملاريا، والزحار، والكوليرا، والطاعون، والجدري)، فضلًا عن أمراض أخرى شائعة في الأحساء مثل (السعال، والزكام، والأنفلونزا، والنزلات المعوية، والديدان الطفيلية، والروماتيزم، وسوء الهضم، والضعف العام نتيجة سوء التغذية، والصداع، وآلام وأوجاع الجسم، والعمى، والأمراض الجلدية).

ففي سنة 1321هـ/1903م انتشر مرض السل في أرجاء إقليم الأحساء وتسبب في وفاة حالات كثيرة بين السكان، كذلك انتشرت الكوليرا في الأحساء في أغسطس عام1321هـ/ 1904م، وقد اشتد على أهل المبرز، وحصد عددًا كبيرًا من الأهالي، حتى خلت بعض المنازل من أهلها وأغلقت، حيث بلغ عدد الوفيات ما يقارب 300 شخص، وبعد مرور عشرة أيام عاد المرض مرة أخرى إلى متصرفية الأحساء وشمل ميناء العقير، والقطيف، وكان معدل الوفيات فيه يتراوح ما بين 10 إلى 15 شخص في اليوم الواحد.

وفي 24 صفر 1306هـ / 1889م انتشرت الكوليرا مرة أخرى في الأحساء، والقطيف، وراح ضحيته أربعة آلاف شخص، وقررت الدولة العثمانية وضع محاجر صحية في كل من الكويت، والقطيف، والعقير، وقطر، على القادمين إلى المنطقة ولمدة خمسة عشر يوماً، وذلك للحفاظ على سلامة وصحة الأهالي من انتقال المرض إليهم.

ظهر وباء الكوليرا مرة أخرى في سنة 1311هـ/ 1893م، في متصرفية الأحساء ومدنها المختلفة، وفي البداية انتشر في قرية الجشة بشكل كبير، وذلك لوقوعها في طريق ميناء العقير، واشتد الوباء فيما بين شهري أبريل وسبتمبر في البحرين، والأحساء والذي خلف الكثير من الضحايا، حيث أشار تقرير عثماني مؤرخ في 18/5/1322هـ _4/4/1904م “أن عدد الضحايا في الهفوف قد بلغ ثلاثين شخصًا” وعاد المرض للظهور مرة أخرى في عام1323هـ/ 1905م، وأصاب الكثير من الناس ولكنه كان أهون من سابقه.

وظهر الطاعون في أواخر عام 1236هـ/1820م، وظهر مرة أخرى في الأحساء والقطيف، والمناطق المجاورة في سنة 1274هـ/1858م، وقدرت حالات الوفيات من المرض نحو سبعمائة حالة.

وتخلص الدراسة إلى أن متصرفية الأحساء تعرّضت للعديد من الأمراض والأوبئة التي فتكت بالأهالي والسكان وكان وجود منشآت طبية حكومية أمرًا ملحًا لسد حاجة الناس من علاج الأمراض المختلفة ولإنقاذهم منها.

وأكدت الدراسة أن الدولة العثمانية عملت على إنشاء مستشفى صغير يقع في حي الكوت بين اللواء غرب السراي وقصر إبراهيم في عام 1303هـ / 1886م، وتم تسميته “مستشفى نجد العسكري”، ثم أقاموا مشفى صغير للعلاج الطبيعي، يقع في الجهة الغربية الجنوبية من بستان عين نجم، التي ينبع منها المياه الحارة، وتم بناؤه بالطوب الأحمر، وهو بناء صغير الحجم نسبيًا، ولقد أنشأت السلطات العثمانية المحلية على عين نجم قبة، وأنشأت حولها مباني؛ بعد مطالبة السكان، بتوفير خدمة طبية لهم في ربيع الأول وذلك نتيجة انتشار الأمراض في عام 1303هـ/1886م، وفي عام 1315هـ/1897م أنشأت الحكومة العثمانية محجر صحي في ميناء العقير والقطيف.

نتائج الدراسة

أما النتائج التي توصلت إليها الباحثة فكان أهمها خلق موقع الأحساء الإستراتيجي الواقع على ضفاف الخليج العربي متوسطًا بين الطرق التجارية والملاحية والبرية فيها، والذي ارتبط بشبكة كبيرة من موانئ الخليج شماله وجنوبه وغربه وشرقه، إضافة إلى موانئ الساحل العُماني وبحر العرب والموانئ الهندية المختلفة امتدادًا إلى شرق إفريقيا؛ كل تلك المعطيات السابقة جعلت من الأحساء منطقة ذات حراك اقتصادي نشط تبعه تواصل بشري أدى بدوره إلى انتقال الأمراض والأوبئة المختلفة وانتشارها عبر تلك الموانئ والطرق التجارية البرية.

واعتبرت الدراسة أن تباين الأجواء في الأحساء أسهم حسب الأشهر، من أكتوبر إلى أبريل معتدل، بينما من يناير إلى فبراير بارد، مع هبوب رياح شمالية مصحوبة أحيانًا بالأمطار، ومن منتصف يونيه حتى نهاية سبتمبر يكون الجو حارًا مشبعًا بالرطوبة، فتقوم الرياح الشمالية الغربية بتحريك الأبخرة الملوثة المتصاعدة من المستنقعات نحو الأحساء والقطيف فينعكس ذلك على جو المنطقة غير الصحي على الأهالي، فضلًا عن أن الرياح الشمالية الغربية تهب في موسم الصيف وهي عادة ما تكون محملة بالرمال الناعمة التي تضر بصحة الأهالي وتسبب لهم أنواعًا مختلفة من أمراض التهاب الصدر.

وأظهرت الدراسة تأثر الأوضاع الصحية في متصرفية الأحساء بعوامل عديدة منها؛ كثرة المستنقعات، وامتلاؤها بالأوساخ والقاذورات، وإهمال النظافة وتراكم النفايات والمواد المتعفنة في الطرقات وحول المدن والقرى.

ونوّهت الدراسة قيام الدولة العثمانية بدور واضح في مواجهة الأمراض والأوبئة في المتصرفية، فأنشأت لذلك مستشفى للجند بالقرب من قصر إبراهيم، واهتمت بإنشاء مبانٍ صحية حول عين نجم فجعلت منه مستشفى للعلاج الطبيعي يخدم الأهالي، واعتنت أيضًا بالمساجين من خلال إجراء الفحص الطبي الدقيق لهم وإعداد تقرير عن حالتهم الصحية كل شهرين.

وذكرت الدراسة أن الدولة العثمانية أصدرت عددًا من التنظيمات الإدارية الخاصة بالنواحي الطبية في عموم ولاياتها ومتصرفياتها وشمل ذلك متصرفية الأحساء، ومن تلك التنظيمات تعيين طبيب بلدية مختص ومعاون له، ويقوم ذلك الطبيب بمعاينة المرضى مجانًا مرتين في الأسبوع، وإذا كان المرضى لا يستطيعون الذهاب إلى العيادة الطبية، فعلى الطبيب المكلف أن يذهب لمعالجتهم في بيوتهم، لكن بلدية متصرفية الأحساء لم تطبق ذلك النظام بمفهومة الدقيق، واكتفت بتعيين طبيب واحد في عموم المتصرفية، وصرفت له مرتبا من الميزانية المحلية، وكان من الصعب عليه القيام برعاية جميع سكان مدن وقرى المتصرفية .

الدراسة أظهرت أيضًا أن المتصرفية كانت تعاني من محدودية العناية بالنواحي الصحية، إضافة إلى أن البيئة الأحسائية كانت حينئذ بيئة موبوءة، وتبين ذلك من خلال تذمر العسكريين والجنود العثمانيين من ضعف العناية الصحية، مفضلين الذهاب إلى بغداد والبصرة لتلقي العلاج، أما الأهالي فقد كانوا يتجهون إلى العلاج الشعبي، أو إلى البحرين لتلقي العلاج في مستشفى البعثة الأمريكية الذي شهد سمعة طيبة بين الناس.

بينت الدراسة حرص الدولة العثمانية على منافذها البحرية في المتصرفية بإنشاء عدة محاجر صحية في مرافئ العقير، وكذلك حرصها على التصدي للأمراض والأوبئة التي ضربت أراضي الدولة العثمانية، وذلك من خلال المشاركة في العديد من المؤتمرات الطبية (الصحية) الدولية التي عقدت في بعض العواصم الغربية، بهدف إيجاد الحلول المناسبة للقضاء على تلك الأمراض والأوبئة وانتشارها.

وأكدت الدراسة تأثر المؤتمرات الطبية المخصصة لمواجهة انتشار الأوبئة والأمراض ببعض المواقف السياسية المعارضة وببعض الأطماع الاستعمارية المختلفة لاتخاذ بعض الإجراءات الطبية اللازمة، مظهرة الأثر السياسي على الأوضاع الصحية، وذلك من خلال التنافس العثماني ـ البريطاني في المنطقة لإيجاد مراكز صحية في منطقة الخليج العربي بما فيها الأحساء.

وكشفت الدراسة أثر الأوضاع الصحية على الناحية الاقتصادية من خلال التراجع في إنتاج مزارع التمور وغيرها من المنتوجات الزراعية، بسبب انتشار الأوبئة والأمراض المعدية.

وأثبتت الدراسة أن المحاجر الصحية كانت -إلى جانب دورها في الحماية وتفتيش السفن الواردة إلى موانئها في المتصرفية- تستفيد من العائدات المالية للحجر الصحي، مؤكدة في ذات الوقت تأثير الأمراض في فئات المجتمع الأحسائي الذي عانى من تسببها في إحساسهم بالحزن والأسى، لفقدهم لأهلهم وذويهم، منبهةً بأن الأثر الثقافي كان ضئيلًا؛ إذ اقتصر على بعض المؤلفات عن الأمراض مثل رسالة عن مرض البلش للشيخ محمد بن عبد اللطيف آل مبارك –بحسب ما ذكرته الدراسة.

تعليق 1
  1. فيصل سعود يقول

    ماشااءالله تبارك الله الله يوفقكم جميعاً

التعليقات مغلقة.