واحة الأحساء عراقة تاريخية وتألق تراثي عالمي

مدة القراءة: 6 دقائق

كتب للأحساء اليوم: أحمد بالغنيم

تُعدُّ الأحساء بلدًا حضاريًا عريقًا، تمتد عراقته التاريخية إلى ما قبل الميلاد، وقد سطّرت صفحات تاريخها ألوانا من العطاءات المتنوعة؛ مما جعلها منذ القدم استيطانًا بشريًا جاذبُا تهافت عليها الناس من كل حدب وصوب عبر القرون؛ للعيش فيها والاستمتاع بما حباها الله –تعالى- من مميزات ممزوجة بأصالة الماضي وعبق التاريخ وإشراقة العيش الرغيد، قال الشيخ محمد بن أحمد العمري الموصلي واصفا علماء الأحساء واجتماعه بهم:

فأقمتُ فيها مدة أجني جنى       ثمرات روضة لذتي وصفائي

ووجدتُ أهليها مشايخ سادة      صافين من حسد ومن بغضاء

ورأيتهم أهل اعتقاد صادق      وبها اجتمعتُ بغالب العلماء

 

أول واحة يتم تسجيلها

وقد جاء إعلان اليونسكو بتسجيل واحة الأحساء ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي مواكبا للمقومات المختلفة التي شكَّلت في مجملها فرادة عجيبة للواحة حتى غدت أول واحة يتم تسجيلها من خلال (12) موقعًا فريدًا عكست أروع صور التميز المعيشي والمعماري والطبيعي، فالأحساء واحة النخيل، ومهد الحضارات، وموطن العلم، وملتقى التعايش، وأرض الخير، وموئل الأدب، ومصدر الثروات.

لوحة غنّاء

إن الأحساء لوحة غنّاء بما تملكه من مكونات طبيعية خلابة تمثلت في الجبال والنخيل والعيون المائية، ومكونات مهنية تمثلت في العمارة والحرف اليدوية، ومكونات ثقافية تمثلت في المدارس القديمة، ومكونات أثرية تمثلت في القلاع

والحصون والقصور والبيوت القديمة وكل ما سبق يؤكد جدارتها واستحقاقها للتحول إلى العالمية السياحية التي ستكون قيمة اقتصادية ورسالة ناطقة على تميز وطننا الغالي في مجال التراث السياحي.

صورة لجبل القارة

صورة لبحيرة الأصفر

اعتراف دولي يواكب رؤية المملكة 2030

وهذا الإنجاز النوعي والاعتراف الدولي جاء تتويجًا للدعم السخي من لدن حكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -يحفظهما الله- وهذا الدعم حظي بمتابعة ومساندة من لدن صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، وأمير المنطقة الشرقية صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز آل سعود رئيس مجلس التنمية السياحية بالمنطقة، وصاحب السمو الملكي الأمير أحمد بن فهد بن سلمان نائب أمير المنطقة الشرقية، وصاحب السمو الأمير بدر بن محمد ابن جلوي آل سعود محافظ الأحساء رئيس مجلس التنمية السياحية المحلي.

وقد جاء تسجيل واحة الأحساء ضمن قائمة التراث العالمي مترجما الدور الريادي للاهتمام بالسياحة والتراث العمراني الذي أكدت عليه رؤية المملكة 2030 وبرنامج خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري، وحيث جاء هذا الإعلان ثمرة جهود استباقية لم تعرف الكلل صاغت قصة هذا الإنجاز من خلال التكاملية في إعداد ملف التسجيل العالمي بين فرع هيئة السياحة وأمانة الأحساء ومديرية الزراعة وغرفة الأحساء والمؤسسة العامة للري، ومسؤولي المحافظة ورجال أعمالها وأهاليها الذين كانوا خير عون للهيئة، وأظهروا كل الدعم والحماس، وبذلوا الجهود الكبيرة والمخلصة بقيم مشتركة وتماسك اجتماعي ومعرفة فنية للمساهمة في رفعة اسم المملكة وإبراز مكانتها الحضارية والتاريخية.

شهرة الأحساء العلمية (مرتكزات مهمة في صياغة المقوم الحضاري للأحساء):

ويمثّلُ التميز التعليمي والتفرد الثقافي والتنوع الأدبي مرتكزات مهمة في صياغة المقوم الحضاري للأحساء والذي كان محل إشادة من الداني والقاصي، فهي مركز علمي قديم تغنَّى به جمع من العلماء والأدباء ومنهم على سبيل المثال الشيخ أحمد ابن غنام الرشيد أحد علماء الكويت فقال:

دار علــــم من قديم     قد علت قدرا وجاها

وجعلها المؤرخ الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن البسام النجدي أحد المراكز العلمية السبعة في العالم العربي بل ذكر أن طالب العلم لا يكتمل علمه إلا إذا درس في سبعة أماكن منها: المسجد الحرام بمكة المكرمة، والمسجد النبوي بالمدينة المنورة، والجامع الأزهر في مصر، ومدرسة آل أبي بكر الملا في الأحساء.

وقد عُرِفت بمسميات عديدة عكست شهرتها العلمية فأُطلق عليها “أزهر الخليج” و”دار العلوم” و”مدينة العلماء والأدباء”؛ ولذا اشتهرت الأحساء عبر القرون بأنها مقصدٌ لكثير من العلماء وطلبة العلم، وقد وفدوا إليها من علماء نجد والحجاز وعمان والكويت والبحرين وقطر والإمارات وفارس والعراق واليمن والهند وأفغانستان للنهل من معين علمائها، وأكد ذلك بعض الباحثين فقال الدكتور عبدالله بن علي آل الشيخ مبارك:  “قصد أربطتها ومدارسها الدينية طلاب العلم من كل أنحاء شرقي الجزيرة، بل لقد تعلم فيها أناس من العراق والشام والهند والمغرب وغيرها من بلاد الإسلام”، وكان ميناء العقير التاريخي هو أحد المواقع التراثية التي تم تسجيلها حاضنا لهؤلاء العلماء وغيرهم من التجار والمسافرين بل

كان موقعًا تجاريًا مهما للمملكة وحلقة وصل بين الأحساء ودول الخليج العربي والهند وغيرها، وقد شهد زيارات متكررة للملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- وغيره من الملوك والأمراء والتجار والرحالة.

صورة لميناء العقير

 

التعليم في واحة الأحساء

التعليم قبل المدارس النظامية :

أخذ التعليم في واحة الأحساء قبل المدارس النظامية ثلاثة مسارات هي: مسار الكتاتيب، ومسار المدارس العلمية، ومسار الأربطة.

فأما مسار الكتاتيب فكان للمبتدئين في طلب العلم، حيث يتم تعليم الأولاد الذكور والبنات مبادئ تلاوة القرآن الكريم، وأصول القراءة والكتابة، وقواعد الحساب، ويقوم بهذا الدور المطوع أو الملا، ومقر التدريس في منزله أو موقع آخر.

وأما مسار المدارس العلمية فإن المدرسة عبارة عن مبنى يتكون من غرف وأروقة، ويقوم أحد الولاة أو التجار بوقفه ويخصص له أوقافا متنوعة ليُصرف من غلاتها على المدرسين وطلبة العلم وعمارة المدرسة، ويتم فيها تدريس العلوم الشرعية كالعقيدة والتفسير والحديث والفقه، وعلوم الآلة كالنحو والصرف والبلاغة.

صورة كتاب فقهي كان بعض طلاب العلم في الأحساء يدرسونه ضمن مكتبة أسرة آل عبدالقادر

وقد زاد عدد المدارس العلمية في الأحساء على (29) مدرسة منها: مدرسة القبة، ومدرسة الرميص، ومدرسة الجبري، ومدرسة العفالق، ومدرسة الكثير، ومدرسة العمير، ومدرسة الغربين، والمدرسة الشلهوبية، ومدرسة الزواوي، ومدرسة المصري، ومدرسة الشهارنة، ومدرسة النعاثل، ومدرسة النعيم، ومدرسة الخليفة، ومدرسة السويق، ومدرسة جبر الدوسري، والمدرسة القبلية، ومدرسة آل عبداللطيف، ومدرسة المجيلس، ومدرسة السعدون، ومدرسة الحصر، ومدرسة الخاطر، والمدرسة الجديدة، ومدرسة الشروفية، ومدرسة الشريفة، ومدرسة الصالحية، ومدرسة الحبيشية، ومدرسة بو خمسين.

صورة مدرسة القبة

وأما مسار الأربطة فإن الرباط مبنى يتم وقفه من أحد الولاة أو التجار ليكون مقرًا لسكن طلبة العلم أو الغرباء الوافدين إلى الأحساء، وعرف تاريخ الأحساء عددا من الأربطة منها: رباط أسرة العمير، ورباط أسرة الملا.

وجاء بناء الأربطة مواكبا لازدهار الحركة العلمية في الأحساء، وتلبية لاحتياجات طلاب العلم الوافدين إليها للقراءة على علمائها، فالرباط بمثابة سكن متكامل يقيم فيه طلاب العلم وتوفر لهم فيه الاحتياجات الضرورية، وكل ذلك ليتفرغوا للتحصيل العلمي وإعدادهم إعداد معرفيا جيدا حتى إذا رجعوا إلى أوطانهم تقلدوا الوظائف الدينية والوظائف العلمية المناسبة لهم.

مدرسة النجاح:

قام الشيخ حمد بن محمد النعيم بافتتاح هذه المدرسة في منزلة في البداية، ولما ازداد عدد الطلاب انتقل إلى مقر آخر لأسرة القصيبي،  وكان يدرّس فيها مبادئ العلوم الشرعية وأضاف إليها تدريس طريقة مسك الدفاتر التجارية.

بدايات التعليم النظامي الحكومي:

بدأت تباشير التعليم النظامي الحكومي في سنة 1355هـ عندما أرسل مدير المعارف بعض المدرسين لافتتاح مدرسة حكومية وتم افتتاحها في شارع الخباز لكن هذه المدرسة لم يُكتب لها الاستمرار فأُغلقت، وفي سنة 1356هـ استطاع الأستاذ محمد بن علي النحاس افتتاح المدرسة لتكون انطلاقة جادة للمدارس الحكومية في الأحساء التي أخذت في التوسع حيث تم افتتاح مدارس أخرى في المبرز وقرى الأحساء، وأما التعليم النظامي للبنات فقد بدأ في سنة 1380هـ.

المدرسة الأميرية:

صورة مبنى المدرسة الأميرية

المدرسة الأميرية اسم محفور في ذاكرة أهالي الأحساء، وهي خالدة بعمقها التاريخي وأصيل عطائها، فلم تكن مسيرتها عادية بل كانت حافلة بأحداث مختلفة طوّعتها همم عالية، ونفوس متطلعة إلى العلا ـ وحب متأصل للعلم، وسعي دؤوب في بناء الأجيال.

وقد جاء تسجيل هذه المدرسة ضمن مواقع التراث العالمي إنجازا مستحقا وشاهدا على أهميتها في رسم خارطة التميز التعليمي في هذه البلاد المباركة، وجاء تميزها من خلال منطلقات من أهمها:

أ- عمق تاريخي:

هي أول مدرسة نظامية حكومية في الأحساء استمرت في رسالتها، وقد استطاعت مديرية المعارف آنذاك بالتعاون مع الأهالي في إدخال التعليم الحديث.

ب- تحفة معمارية:

تُمثل المدرسة في بنائها طرازًا فريدًا وتصميمًا جميلًا استمد جماله من مكوناته التراثية والمحافظة على الهوية التاريخية، وغدت مصدرًا ثريًا للأجيال الحالية في معرفة نمط المباني في الماضي، ولا زال مبناها شامخا في قلب مدينة الهفوف وسيكون لها موعد مع مزيد من التطوير والتأهيل والاستثمار بعد إطلاق صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز أمير المنطقة الشرقية، بحضور صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان آل سعود، حزمة من المشاريع التطويرية في حفل تسجيل موقع واحة الأحساء في قائمة التراث العالمي.

جــ- تميز تعليمي:

المدرسة صرح تعليمي مشهور فقد درَّس فيها علماء أجلاء ومدرسون فضلاء أخذوا على عاتقهم نشر العلم وتربية الأجيال على معالي الأمور وممن قام بالتدريس فيها الشيخ عبدالرحمن بن محمد القاضي، والشيخ يوسف بن راشد آل الشيخ مبارك، والشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الملا، والشيخ عبدالله بن عبدالرحمن آل الشيخ مبارك، والشيخ حمد بن محمد الجاسر، والأستاذ عبدالعزيز ابن منصور التركي والأستاذ محمد بن علي النحاس، والأستاذ إبراهيم بن محمد الحسيني وهناك غيرهم كثير حفظ التاريخ أسماءهم.

وكان من الطبيعي أن يدرس فيها كوكبة من الطلاب النابهين الذين غدوا فيما بعد من رجالات الوطن ومن رواد نهضته في المجالات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ونذكر منهم على سبيل المثال صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة والأمير سعد الفيصل والأمير محمد بن فهد بن جلوي أمير الأحساء، ومعالي الدكتور محمد بن عبداللطيف الملحم ومعالي الأستاذ حسن بن مشاري الحسين، وغيرهم من رجالات الوطن الأوفياء.

ومما تجدر الإشارة إليه اللقاء السنوي الذي يقام  تحت مسمى “الرعيل الأول” ويضم الدارسين في المدرسة الأميرية ويكون اللقاء وفق برنامج محدد تعمق فيه أواصر المحبة والصداقة، ويتم فيه استعراض الذكريات التعليمية التي تعد مصدرًا تاريخيًا ثريًا، ونتج عن هذا اللقاء عدد من الإصدارات وإعادة طباعة بعض المجلات القديمة الصادرة آنذاك، وتوثيق أسماء الخريجين في بعض المدارس.

وأقيم حتى الآن قرابة ست عشر لقاء باستضافة كريمة من الأساتذة الأفاضل: الأستاذ سعد بن عبدالعزيز الحسين، والأستاذ عبدالعزيز بن سليمان العفالق، والأستاذ عبدالله بن سعد الراشد، والأستاذ عمران بن محمد العمران، والأستاذ إبراهيم بن عبدالعزيز الطوق، والأستاذ عبدالرحمن بن سعد الراشد، والأستاذ أحمد الحواس، والأستاذ عبدالعزيز الجندان، والأستاذ محمد بوعايشه، والأستاذ عبدالعزيز الجبر، والأستاذ عبدالله بن سلطان السلطان، والأستاذ أحمد المانع، والأستاذ خالد بن احمد النعيم، والأستاذ علي بن أحمد الجبر.

ولا شك أن هذا اللقاء يتضمن دلالات واضحة على العراقة التعليمية ومتانة المخرجات بل إنه يدعم رمزية بقاء المدرسة الأميرية  لتكون منارة مضيئة في تاريخ التعليم.

السياحة والتعليم

التعليم والثقافة مكونان رئيسان في صناعة السياحة استثمارًا وحماية، وهذا يترتب عليه وعي داعم لتوجهات حكومتنا الرشيدة نحو تعزيز السياحة التراثية، ويبذل الأخوة في فرع هيئة السياحة في الأحساء بقيادة الأستاذ خالد بن أحمد الفريدة، جهودًا جبارة في حماية المواقع التراثية ونشر الوعي بأهميتها بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، ومن هنا أصبحت العلاقة بين التعليم والسياحة علاقة تكاملية، ووزارة التعليم اعتنت عناية فائقة بالجانب السياحي لاسيما ما يخص المواقع الأثرية التاريخية باعتبارها جزءًا من تاريخ وطننا المجيد وتتعاظم الأهمية يوما بعد يوم بربط جيل الحاضر بموروث أجداده ترسيخًا للانتماء الوطني والاعتزاز بكل جزء من الوطن.

وأخذ اهتمام الوزارة بالسياحة أشكالا من المبادرات النوعية التي تم ترجمتها على أرض الواقع بالتعاون مع فروع هيئة السياحة، ومن تلك المبادرات مبادرة “اكتشف السعودية” التي تُعنى بتنفيذ زيارات طلابية من قبل المدارس إلى المواقع التاريخية الأثرية لإمدادهم بالمعلومات، ومبادرة “ابتسم”، كما أسهمت في إنجاح مبادرة “عيش السعودية” التي أطلقتها الهيئة العامة للسياحة لغرس الوطن في قلوب أبنائه واستشعار المنجزات التنموية.

وقد أقامت الإدارة العامة للتعليم بالأحساء بعض برامجها في رحاب عدد من مواقع التراث الأثرية كـ”المدرسة الأميرية” و”قصر إبراهيم”، ونسقت مع فرع هيئة السياحة في زيارة عدد من الوفود التعليمية من خارج الأحساء إلى جملة من المواقع كـ”جبل القارة” و”مسجد جواثا” و”بحيرة الأصفر” و”بيت البيعة”، وحرصت الإدارة على إقامة المعارض الفنية التي تحتوي كليا أو جزئيا على أركان فنية تربط الطلاب والطالبات بتراثهم الوطني وتنقل مشاعر الاعتزاز به عبر الرسومات أو المجسمات وغير ذلك.

إن ما تحقق من إنجاز للأحساء حدث كبير يضاف إلى رصيدها التاريخي، وسيكون له مردود تراثي واقتصادي يتناغم مع الريادة العالمية التي يسعى خادم الحرمين الشريفين إلى تحقيقها.

أسأل الله تعالى أن يحفظ لنا ديننا وأمننا وقيادتنا، وأن يُديم علينا نعمة الأمن والأمان والاستقرار.

 

مدير عام التعليم بالأحساء

أحمد بن محمد بالغنيم

التعليقات مغلقة.