الصبر على أذى الأقارب من عزم الأمور!

مدة القراءة: 2 دقائق

كتب للأحساء اليوم : عبدالعزيز بن عضيب

إلى صديقي الموقر الذي بث حزنه لي، وشكا همه تجاهي، واختصني بضيقه دون غيري من الناس؛ فشكا ظلم ذويه وقسوة أقربائه، وإنه لعمري قد أنزلني منزلة عظيمة تجلت في بيت ابن برد بشار القائل: “ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة.. يواسيك أو يسليك أو يتوجع”. أقول له: يا صاح اصبر؛ فالصبر على أذى الأقارب من عزم الأمور!.

فلم يذكر أن عداوة أكثر إيلامًا، ولا أثقل همًا، ولا أشد وطأة من عداوة ذوي القربى، ولقد صدح بها طرفة بن العبد منذ قرون ومازال صداها في أسماعنا ببيته الخالد الشارد:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة… على المرء من وقع الحسام المهند

لمَ؟ لأنها عداوة تقوم أعمدتها على سؤدد الآخر ونجاحه، لا ثارات فيها سوى أنها سليلة أحقاد النفس وسوء طويتها؛ فقد تكون إشارة للتميز على الأغلب أو خبيئة لا نراها في أنفسنا ويرونها أو لخصلة يكرهونها فينا؛ فتتكتل مشاعر البغض حتى تنفجر يومًا حتى لا مشاحة فيها.

ومتى بلغت هذا المبلغ فلا دواء لها غير الحلم والتجاوز ولين الجانب.. فخوض المعارك التي كهذه يكون المنتصر فيها خاسرًا؛ كحال المهزوم سيان.

وقد يكون التداوي من هذا البغض بأمور لا تخطر ببال؛ كالمشاركة والاهتمام.. فالإنسان بطبيعته يحب من يهتم به، ويلقي إليه بقيمة.

وهنا تهب لي الذاكرة قصة للفيلسوف “كيركيغارد” يحكي أنه طالمًا كان يؤذيه ثلاثة من الشبان بشكل مستمر لا ينفك، وذلك عند عودته للبيت ومروره بهم، وفي ذات مرة قرر أن يواجههم ويتحدث إليهم؛ فتوجه لهم وطلب من أحدهم عود ثقاب لإشعال سيجارته، ومن ثم بدأ الحديث بينهم، وفي خضم الحديث صرحوا له بإعجابهم له وتعلقهم بأفكاره؛ فانقلب ظهر المجن، فكان كل ما هنالك بحث عن موطئ قدم في حياة هذا الفيلسوف، فسماها “مشاركة العظمة”.

أرأيت يا صديقي مبلغ الحكمة في الصبر أدب النفس، وهنا يحضرني قول للمعري عن الأدب! قال فيه: “الأدب الذي تعرفه العرب هو ما يحسن من الأخلاق وفعل المكارم، وليس ما استحدث الناس تسميته لعالم النحو والشعر وعلوم العرب، فهذا كلام مولّد..”.

وهنا أقول إن العرب قد جعلت سنام مكارم الأخلاق وسيدها الحلم، فقالت الحلم سيد الأخلاق! فالحلم منذ فجر الضمير هو من هذب الإنسان، وسلخ عنه رداء البربرية؛ وعلمه الروية وحسن التفكير؛ فتصير وعاءً لباقي المكارم.

ولعمرك إن أعظم مديح قد يطرى أو أصدق شاهد قد يحضر؛ هو مديح النبي الأعظم لأحد وفود العرب لديه، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم، لأشج عبدالقيس: “إن فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله.. الحلم والأناة”.

صديقي، إن أشد الندم وقعًا على النفس هو هل التراب على قريب لم نصفُ معه؛ لأننا لن نحظى بفرصة أخرى فنتصافا فطريق اللاعودة الذي سلكه مفجع للمشاعر الإنسانية، وموقض للوجدان؛ فيغيب سلطان المشاعر السوداء ويتوارى.. فهيهات من مناص. فلماذا ننتظر حتى حلول تلك اللحظة الموجعة؟!

صديقي؛ إن استباق الأحداث بتفرس ميزة جعلت الإنسان يتجاوز حواسه الخمس، وسندرك لاحقًا قول الدكتور غازي القصيبي “إنه في وقت متأخر من الحياة، ستكون مُعظم المعارك التي خضتها لم تكن سوى أحداث هامشية أشغلتك عن حياتك الحقيقية. فاجعل هذا الإدراك مبكرًا!”.

سأحكي لك حكاية زامنتها يومًا وأنا صغير؛ كان بطلها شابًا في منتصف الثلاثين، كان قريبه الذي يكبره بخمسة عشر عامًا سببًا في بؤسه وتهميشه، فكتب قصيدة في تلك الفترة وصادم بها خصمه، وبعد نيف وعشرين عامًا أصبحت تطلب منه فلا يلقيها..

لمَ؟! لأن خصمه أصبح شيخًا كبيرًا موشكًا على الخرف؛ أين تلك الحماسة يا صديقي!؟ لو تحلّم لحلم ولم يكتب قصيدته، ولما أمضى تلك الفترة الطويلة ليعلم أن من المفترض أن تلك المعركة لم تقع.

صديقي إن محاولة قبض الآخرين على حياتنا، وأخذ ما يطيب لهم من طيباتنا، وترك الباقي منا؛ يجعلنا رهان قول الفيلسوف “الوجودي جون بول سارتر”: “الجحيم هم الآخرون”.

إن الآخرين يتسوقون في ذواتنا، فمتى ما أخذوا حاجياتهم؛ رحلوا وتركونا نبحث عن ما يعيدهم، فننتقص من أنفسنا!.

وهنا أقول: دع الباب مفتوحًا على مصراعيه، لا أهمية لمن يلج أو يخرج؛ بل المهم هنا أن يبقى مفتوحًا للجميع.. فطب نفسًا يا صديقي.

عبدالعزيز بن عضيب المسردي

التعليقات مغلقة.