نظرة تأملية في شخصية والدي : الشيخ أحمد الدوغان “رحمه الله”

مدة القراءة: 2 دقائق

ربما لم أجد شخصا يُكثر الصمتَ ويؤثر السكون والسكوت في معظم أحواله مثل هذا الشيخ الوقور .

فهل لي أن أستنطقَ هذه الشخصيةَ الصامتة ؟ وهل لي أن أبوح بالمسكوت عنه في هذه الشخصية ؟

لــِــمَ لا وأنا مِن أقرب الناس إليه ، ومِن أعرفهم بسلوكه ؟

سؤال آخر : هل عـَـرف الوالدُ من دراسة أكاديمية ما سرُّ جاذبية الشخصية وقوة تأثيرها ، فاجتهد ساعيا لتحقيقها لنفسه ؟

وهل درس الوالد – رحمه الله – في جامعة عربية أو غربية مصطلحًا يقال له : الكارزما : أو هل عرف مفهومه ؛ فحاول أن يتخلق بها ليجتذب الناس إليه ؟

الإجابة بالتأكيد : لا .

إذن ما سرُّ إقبال الشباب على دروسه ؟ وما سبب حبِّ الناس له ؟ وما وراء كل هذه المقالات والتغريدات والثناءات ؟

بإجابة بسيطة مُفادةٍ من علم الاجتماع : إن من أهم قوانين التأثير في الناس ما يعرف بــ ( من الباطن إلى الظاهر ) .

وبتعبير يشرح هذه الفكرة :

إن الناس المعتدلين في طبائعهم وأمزجتهم وتفكيرهم حين يتأثرون بأحدٍ ما إنما يتأثرون بالأفكار والآراء والسلوك ، ثم قد ينتقل بهم الحال إلى التأثر بالمظهر والشكليات ، ولكنه – أي محاكاة المظهر – ليس بالأمر المحتوم .

أستطيع القول : إن هذا ما نراه متحقـقــًا في شخصية والدي ، فلولا أن الناس أدركوا تمام الإدراك أنه يتصف بهذا السلوك التلقائي الصادق الشفاف لما تأثروا به وأحبوه .

لقد أدركوا أنه رجل بسيط وعفوي وتلقائي وصادق فيما يدعو له ، ،لا يتكلف ولا يتصنّع في أقواله وأفعاله .

عرفوه مبتعِدًا عن الأضواء المزيفة ، مُظهـِرًا لما هو مبْطـِن ، فهو في سلوكه شخصية واحدة غاب أو حضر ، توارى أو ظهر ، وربما لم أجد شخصا واتتْه الفرصة مرات كثيرة أن ينال من الشهرة والإعلام ما أتيح له ، ولكنه أباها وترفع عنها ، لقد رغب عن الأضواء فرغبتْ فيه ، لم يبحثْ عنها فكانت هي التي بحثتْ عنه ،على ضدِّ كثير من الناس الذين يتوقون للشهرة من غير استحقاق لها ، فما إن نالوها حتى تسربتْ منهم … ، أقول : لولا إدراك الناس لهذه السجايا في شخصه وفي شخصيته لما أقبلوا عليه كل هذا الإقبال ، ولما قبلوه كل هذا القبول  .

سكن الوالدُ  – رحمه الله – قلوبَ محبيه وتلاميذه لأنهم أحسوا بصدق عاطفته ، وحميم أبوّته ، ونقاء سريرته ، ودفء مشاعره ؛ فاتخذوا من أستاذيــّـته معطفًا يتقون به العواصف الباردة حين يشتد صقيعها ، واتخذوا من أبوّته أبوّةً علمية تنضم إلى أبوة والديهم من الرحم والنسب .

أؤكد : إن الصدق والإخلاص والعفوية والبساطة هي سرُّ ذلك التأثير الإيجابي في الطلاب والمجتمع ، وليس ما قد يظن أنه كان يرسم التخطيطات والاستراتيجيات والتصاميم ، نعم ليست مسيرته التعليمية عشوائية ، بل كان لديه رسالة بيــّــِنة ,وضعها أمام عينيه وأرد أن ينفذه في حياته ، فتحققتْ له والحمد لله ،

وأمرٌ آخر ، هو أنه لم يؤثر فيه ضعفُ جسده سلبـًا ، أي فعادعليه ذلك بالخجل والانطواء على الذات ، والانغلاق على النفس ، كلا  ، بل دخل في المجتمع بكل علاقاته فكان يلبي الدعوات ، ويزور الكبار والصغار ، ويمازح تلاميذه مع احتفاظه بوقاره ، ولعل أحدكم يستغرب لماذا أذكر هذه المسألة  ( ضعف الجسم ) فهي مسألة محرجة ، أو لا يستدعيها المقام  .

والجواب أني أهدف إلى أن أنبه الذين يعانون بأي نوع من الضعف أو النقص الجسدي  ألا ينطووا على أنفسهم ، وألا يحول شعورهم بها دون عطائهم في المجتمع ، ونشاطهم في سبل الخير .وأن لدينا جميعا قدرات كامنة ينبغي أن نستـثمرها .

وأخيرا يحسن أن أوجز ما أشرت إليه من صفات هذا الرجل الناجح في تحقيق رسالته :

  • أبرز صفات هذه الشخصية هي الصدق والإخلاص والعفوية والبساطة .
  • يبغض الشهرة وتسليط الأضواء الإعلامية عليه .
  • كان واثقا من رسالته وإمكان تحقيقها ، مع أنه لم يكن واقعا في العُجب بالنفس ، والجمع بين هذين ليس بالأمر الميسور ، ولكنه ممكن للواثقين الجادين المخلصين .
  • التدرج في التعليم والدروس .
  • تحينه الأوقات المناسبة للدروس .
  • حبه بل عشقه لـفـنــِّـه وأعني به الفقه .
  • عدم تدخله في العلوم والتخصصات الأخرى .
  • إيمانه بحتمية الاختلاف ، واحترامه للمختلف معهم .
  • بعده وتحذيره من الوقوع في النزاعات المذهبية .
  • شفقته على طلابه ، واحترامه لصغار الطلاب وكبارهم .

كما أنه أدرك أنه لكي يكون مؤثرًا وقدوة ومحبوبًا، كان عليه أن يبدأ بتهذيب بنفسه ، وأن يكون مؤثرًا بفعله قبل أن يكون مؤثرا بقوله ، وكأنه وضع نصب عينيه هذه الحقيقة ( من لا يــُــنــتفعُ بملحوظه لا يــُــنتفع بملفوظه ) .

التعليقات مغلقة.