كرم حارتنا.. أسطورة بين الماضي والحاضر (الجزء الأول)

مدة القراءة: 2 دقائق

كتب للأحساء اليوم : صالح بن سلمان العيسى

وصف كفاح الأجداد والآباء تعليميًا وحياتيًا

عشنا في فترة طفولتنا، وريعان شبابنا، في حارة تسمى “حارة كرم”، ويخترق هذه الحارة شارع يسمى بـ”شارع كرم” الذي يعتبر متنفسًا لأهالي الحارة من أطفال، وشبان، وشيبة، وكان يجتمع فيه رجالات الحارة والحارات المجاورة صباحًا؛ لعرض خدماتهم من زراعة وأعمال بناء وغير ذلك..

ويشكل الشارع شريانًا يربط شرق المبرز بغربها وبالعكس. فهو بمثابة بوابة دخول وخروج؛ لتبادل المصالح والمنافع بين الحارات ومحيطها الخارجي. خضع الشارع لعملية التوسعة مرتين إلى أن أصبح تمرّ من خلاله العربات التي تجرها الحمير محملة بما لذ وطاب من محصول بساتينها؛ لتحط رحالها الأخير في سوقها الشعبي؛ لينتفع بها معظم الحارات. وأصبح بالإمكان مرور السيارات لاحقًا، ويتفرع من هذا الشريان منافذ ضيقة تربط الحارة بما جاورها من الحارات الأخرى.

شارع حارتنا يعج نهاره بالحركة والصخب والنشاط الدؤوب. ويخيّم على ليله الهدوء والسكينة؛ لا يشاهد فيه إلا العسس وهم يجوبون الشارع، ما بين روحة وغدوة؛ لاستتباب الأمن، ونشر الاستقرار. كما شكلت الكثير من البساتين شرق الحارة إطلالة جميلة، أضفت على الواجهة الشرقية جمالًا وروعة، وهو ما يسمى بشراع المقابل.

ومجتمع الحارة.. أفراده متجانسون، متحابون، متآخون: أباء وأمهات.. صغارًا وكبارًا.. لا أبالغ إذا وصفت هذا المجتمع ببيت مصغر محاط بسياج تحفّه الألفة والمحبة.. ونواته ملحمة شعرية تحكي لنا ماضيًا تليدًا.. وتاريخًا مجيدًا..

لقد أضحت قوة تلاحمهم وصمودهم أمام معترك الحياة تحديًا لتلك الصعاب من أجل توفير حياة كريمة لأبنائهم.

عندما يعود الآباء من أعمالهم بعد يوم عمل شاق وآثار الجهد والتعب يأخذ مأخذه، تقابلها نشوة من السعادة لا تفارق محياهم رضًا وقناعة بما قسمه الله لهم.

فعلى الرغم من ضعف الموارد، وضنك العيش، لكنهم قابلوا تلك التحديات بجلد، وصبر، وقوة إيمان؛ للوصول إلى بر الأمان. هكذا كان آباؤنا.. وهكذا لابد أن نكون.

نحن حصدنا مآثر في قوة التحمل.. وقصصًا من الكفاح.. ودروسًا في الصبر..

أجدادنا وآباؤنا هم سر بقائنا واستمرارنا بعد العون من الله وتوفيقه. “فلا حاضر لمن لا ماضي له”.

لقد كان من الأجدر علينا أن نحكي تلك المآثر والقصص لأجيالنا القادمة؛ ليتعلموا منّا دروسًا في الحياة؛ ليكونوا أكثر رسوخًا وثباتًا على تحمل الصعاب.

حارتنا “كرم” اسم يحمل في طياته طفولة سماتها البراءة، وعنوانها الطهر، درجنا على أرضها لعبًا، وتعالت ضحكاتنا في سمائها فرحًا ولجمال تآخينا ووحدتنا عضدًا.

الألعاب الشعبية التي كنا نمارسها أطفالًا وشبانًا كانت تبعث فينا روح الحماسة والمنافسة، وما زالت حاضرة في أذهاننا لتبقى ذكرى عزيزة على قلوبنا.

شهدت حارتنا “كرم” والحارات الأخرى أمطارًا غزيرة غرقت منها الممرات، ودخل الماء في الكثير من المنازل، وقد عمد الناس حينها بوضع الجذوع في مداخل المنازل وتغطيتها بالطين؛ لحجز المياه، وتكونت بحيرات أصبحت مرتعًا للعب الأطفال.

تاريخ حارتنا حافل بأصحاب القدوات الصالحة، وقد تخطت مآثرهم أسوار الحارة.

وكان الشيخ عبدالله بن حمد العكلي المدرس بمدرسة الخليفة الواقعة شمال مسجد مفرج لتدريس المذهب المالكي، وقد درّس جميع العلوم الشرعية بما فيها الحديث، إضافة إلى إمامته لمسجد مفرج.

لقد كان والدنا الشيخ سلمان بن صالح العيسى صاحب مدرسة كتّاب بمدرسة بن غربين بفريق الشعبة غرب مسجد السدرة، وكانت البدايات عندما لمس منه والده الرغبة في حفظ وترديد بعض آيات القرآن الكريم ألحقه بمدرسة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الماص، حيث ختم القرآن وحفظه عن ظهر غيب لاحقًا، كما درس الفقه على يد الشيخ محمد بن عبدالرحمن الغنام، لقد كان له دور جليل يتمثل في تعليم الصبيان قراءة القرآن، وقد ختم على يديه أعداد كثيرة يدينون له بالفضل والعرفان، إضافة إلى إمامته لمسجد السدرة والرقية الشرعية على المرضى.

ومدرسة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن بوبندر شرقي مسجد مفرج بفريق المقابل، وكان يدرس فيها القرآن والتجويد والحساب. ومدرسة الشيخ حمد عبدالوهاب السماعيل والذي درس القرآن والحساب والكتابة بمدرسة الحاج بكر والتي سميت بمدرسة آل كثير.

ومدرسة الشيخ صالح بن عبدالرحمن الماص، والذي درس القرآن بمدرسة الجبري والتي تقع جنوب مسجد الجبري، وكان مؤذنًا بجامع الإمام فيصل بن تركي، ثم تولى إمامة مسجد كرم حتى وفاته.

إن الحديث عن الحارة وشارعها.. حديث ذو شجون؛ يبعث في نفوسنا الإباء والشموخ.

تعجبني عبارة: “مجد الأجداد قدوة الأحفاد”، فلأجدادنا وآبائنا منا الدعاء بالرحمة والمغفرة والرضوان.

التعليقات مغلقة.