حاجتنا لفكر متطرف

مدة القراءة: 3 دقائق

كتب للأحساء اليوم : فودة محمد علي

كلمة ممقوتة على ألسنة الكثيرين، وسيئة السمعة لدى كل الأوساط، لكن اسمحوا لي أن أفاجئكم أننا محتاجون إلى التطرف بشكل كبير..!

التطرف بمفهومه الإبداعي أو الابتكاري؛ بمعنى التفكير خارج الصندوق أو الإتيان بفكر عبقري جديد.. نحن بحاجة إليه في الصناعة، والتجارة، والعلم، والاقتصاد، والطب، والجغرافيا، والفيزياء، والكيمياء.. وليس التطرف في الدين.

التطرف الذي يأتي بحلول غير تقليدية ولأفكار غير مكررة وغير تقليدية للكثير من مشاكلنا، لكن كلمة التطرف اكتسبت لدى مجتمعنا باستمرار بعدًا دينيًّا فقط.. رغم أنه في هذا الاتجاه فقط ممقوت ومرذول.. وذلك لأن الدين تشريع من الله بشرح السنة وفهم علماء الأمة. أما بقية المجالات فمحمود فيها الفكر المتطرف. التطرف الذي يقضي على الكثير من المعوقات، ويواجه الأزمات بفكر مستنير، ويستشرف المستقبل بعقل واعٍ وفكر راقٍ وأفق واسع.

العالم الغربي عالم متطرف لو تأملنا المنطوق اللغوي لكلمة متطرف، واليابان بنفس المفهوم اللغوي دولة متطرفة في تصنيعها، واقتصادها، وإبداعها.. فقد أنتجت فكرًا جديدًا خارج نطاق التفكير التقليدي.

فهل من الممكن أن يكون التطرف لدينا مقتديّا بالتطرف الياباني؟!

عندما تقرأ لـ جول فيرن” أو هربرت جورج ويلز.. أدباء متطرفون ذو خيال جامح قدموا للإنسانية أفكارًا إبداعية غير تقليدية تنبأوا فيها بكل ما أتت به التكنولوجيا بعد مائة عام.. صمويل مورس، جرهام بل، ماركوني، الأخوين رايت، موليير، شكسبير، زويل، نجيب محفوظ، أديسون.. كل هؤلاء في الحقيقة متطرفون فكريّا، لكنه التطرّف العبقري المثمر الذي أنتج أعمالًا ساهمت في نفع وتقدم الإنسانية.

لا شك إننا أمة متدينة يشكل الدين لدينا النصيب الأوفر في تفكيرنا وتوجهاتنا بل وفي أحكامنا.. وهذا لا شك يمكن أن يكون عامل إثراء لأن الدين طاقة روحية عالية تعطي صاحبها قوة دافعة وأملًا دائمًا ونفسًا راضية، لكن الإشكالية الكبرى أنه نظرًا لأهمية الدين في نفوسنا فقد حوّله البعض لأداة نفعية بغية التحكم والتوجيه بل أحيانًا إلى الضرر والتخريب.. وفي اتجاه مضاد يستخدمه البعض الآخر.

وترى العلم الشرعي أو دعونا نسمي الأشياء باسمها الوظائف التابعة للعلم الشرعي وظيفة من لا وظيفة له، وفكر من لا فكر له، كل مجال يعتد بالتخصص ويجرم أي امتهان غير متخصص إلا في المجال الشرعي، فالكل مفتٍ، والكل منظّر، والكل إمام، والكل متحدث وخطيب.

فترى الكثيرين ممن حملوا لواء التطرف الديني متخصصين في فنون وعلوم أخرى غير العلوم الشرعية، ولا أدري سر تطرفهم في الدين! وعدم تطرفهم في تخصصهم؟! ولو أنهم حاولوا التطرف بمفهومه سالف الذكر في مجال التجارة، أو التعليم، أو الاقتصاد، أو الفنون، أو الأدب.. لكانت هذه العقول الرائعة من شبابنا المستقطب في مجال التطرف هي طليعة الأمة في مجالات نافعة ولقدمت للأمة خدمات جليلة لا زالت تتسول فيها على موائد الآخرين.

فيؤسفني أن أرى طبيبًا أو مهندسًا أو مفكرًا أو أديبًا أو محاسبًا راح ينظر في المجال الشرعي الذي له متخصصوه والعالمون به، وترك المجال الذي أنفقت أمته عليه من أجله؛ فتراه ينفق السمين من وقته في تحرير ومناقشة قضايا خلافية شرعية لم يصل فيها أهل التخصص أنفسهم رغم سعة علومهم إلى كلمة سواء فيها، أو راح يسابق وينافس علماء التخصص في تقديم مؤلفات شرعية المكتبة الإسلامية ملأى بمثيلاتها.. وهجر التخصص الذي ترنو إليه العيون وظمئت له النفوس من المجالات العلمية.. بل زاد الطين بلة راح يفكر خارج الصندوق لينتج فكرًا متطرفًا وفهمًا جديدًا للأصول الشرعية مستخدمًا ذكاءه الفطري في تكوين وتجنيد جماعات مارقة تحارب الأمة، ولو أنه كثف نفس الجهد في تخصصه الذي هو به عليم لأتى بفكر متجدد، وأتي بعلم نافع.. مع الأخذ في الاعتبار أن التوسع في العلوم الشرعية هو من الفروض الكفائية مثله تمامًا في العلوم المادية!.

وقد يحاول البعض تبرير مسلكه بدعوى فاسدة متذرعًا بحجج واهية بتقديم صحيفة اتهام كبرى موجّهة لبلاده وأمته بعدم تقديرهم للكفاءات أو رعايتهم للموهوبين.. أو إنفاقهم على الاختراعات أو وجود بيروقراطية في المجالات العلمية، والحقيقة هذه الدعوى هي شهادة منه عليه أكثر من كونها له، حيث إن الشخص العبقري ثبت من خلال تقصي حقائق التاريخ أنهم لم يلقوا كبير عناية في بدء أمرهم من أمتهم، لكنهم آمنوا بأنفسهم وفكرهم فصبروا عليه حتى قدموا فكرًا نافعًا كان محل فخر حتى ممن حاربهم مثل ماركوني الشاب الإيطالي مخترع الراديو الذي تقدم لبلاده باختراعه وكان الرد قاسيًا بأن اختراعه عديم القيمة.. لكنه صمد وأصر حتى وجد من يتبنى اختراعه وينشئ شركة باسمه نشرت اختراعه في كل الدنيا.. وأديسون صاحب الألف اختراع اتهم في صغره بالغباء وفصلته مدرسته، أنشتين كانوا يرسبوه في الرياضيات، زويل لم يلقَ التشجيع الكافي، وهكذا كثير من العباقرة أو إن شئت فسمهم المتطرفين!.

د. فودة محمد علي

أستاذ مشارك – قسم الإعلام – كلية الآداب – جامعة الملك فيصل

التعليقات مغلقة.