اللغة العربية بين دعاوى الجمود وصيحات التجديد

مدة القراءة: 3 دقائق

كتب للأحساء اليوم : فودة محمد علي

يرى البعض أن العلاقة بين اللغة والإعلام لا تسير دائمًا في مسارٍ متوازٍ؛ ذلك أنَّ الطرفين لا يتبادلان التأثيرَ؛ نظرًا إلى انعدام التكافؤِ بينهما؛ لأنَّ الإعلام هو الطرف الأقوى؛ ولذلك يكون تأثيرُه في اللغة بالغًا للدرجةِ التي تُضعِف الخصائصَ المميزةَ للغة، وتلحق بها أضرارًا تصل أحيانًا إلى تشوُّهات تُفسِد جمالها، وبناء عليه فإن الكثيرين حمّلوا وسائل الإعلام وبخاصة مواقع التواصل الاجتماعي المسؤولية عن تدهور الأداء اللغوي، واضمحلال الأساليب.

بينما تؤكد الشواهد وجود علاقة تبادلية وتفاعلية بين مثلث اللغة والثقافة والإعلام، الذي لا يلتئم ولا يتم اكتماله بنقص أحد أضلاعه أو بوجود اعوجاج فيه، فاللغة كانت هي زاد الإعلام لنشر الثقافة، وكانت الثقافة الرافد الأكبر للغة من خلال وسائل الإعلام.

والناظر بعين الحقيقة سيجد أن وسائل الإعلام ومواقع التواصل هي أدوات يتم توجيهها وتوظيفها وفق ما يريده المستخدم، فإن أحسن استخدمها كانت عوامل بناء وإصلاح، وإن لم يحسن استخدامها كانت معاول هدم وتخريب.

ومواقع التواصل الاجتماعي أصبحت حقيقة واقعية كان من الواجب التعامل معها والتنظير لها ونشر الوعي بكيفية استخدامها؛ لأنها تحمل في طياتها الكثير من الإيجابيات والسلبيات معًا، ولن يتم هذا من خلال الجماهير العامة التي تستخدم هذه الشبكات، وإنما يتم من خلال النخبة الثقافية ولا سيما الإعلامية واللغوية.

إن علماء اللغة مع بداية عمل وسائل الإعلام في العالم العربي كانوا هم طليعة روادها والقائمين عليها، فكانت كثير من الصحف أصدرت بإنشاء اللغويين الذين جعلوها منابر في خدمة اللغة العربية وآدابها، فكانت الصحافة ومن بعدها الإذاعة أدوات تنويرية أسهمت بشكل كبير في تطور اللغة العربية ورقيها مثل صحيفة الرسالة والهلال وعكاظ وغيرها، ولمع في سماء الإعلام عدد كبير من علماء اللغة العربية الذين نجحوا في تطويع هذه الوسائل الجديدة في خدمة اللغة العربية ورقيها، فلن ينسى التاريخ رفاعة الطهطاوي، وأحمد حسن الزيات، والشيخ علي يوسف، وجورجي زيدان، ومصطفى لطفي المنفلوطي.. وغيرهم.

لكن في الآونة الأخيرة نجد عزوفًا من بعض النخبة اللغوية عن ارتياد وسائل الإعلام، وانكفاء على عملهم اللغوي من خلال النظر من عالٍ للواقع، والنظر من برج عاجي بعيد عن هذه الأدوات الجديدة وتوجيه الاتهامات، بل وبكاء اللغة العربية بين أهلها، دون أن يقدموا تصورًا لكيفية النهوض باللغة العربية، وكيفية تحسين الأداء بها من خلال تسهيل استخدامها، وتجديد قواعدها وبنيتها، واكتفى البحث اللغوي إما بقضايا تراثية أشبعت بحثًا لم تعد تواكب العصر أو تقدم جديدًا، أو محاكاة النمط الغربي تنظيرًا ودراسة، فبدأنا ننحو مناح فلسفية ربما يعجز أحيانًا الباحث المتخصص نفسه عن فهم أبعادها، أو فك طلاسمها،  إضافة إلى أنها لا تعدو نوعًا من الترف العلمي الذي لا يناسب واقعنا؛ لأنها نظريات لغوية كتبت في واقع لغوي غير واقعنا، ومع ثقافة تختلف تمامًا عن ثقافتنا، فكنا كأهل طروادة الذين أدخلوا بأنفسهم الغزو لبلادهم، وإن كان الغزو الفكري أدهى وأمر.

لقد أكد عدد من الباحثين أنه أطلقت في الماضي تحذيرات الغيورين على لغة الضاد عند ظهور الصحافة في البلاد العربية في القرن التاسع عشر لأول مرَّة، وتنبيههم إلى انحدارها إلى مستويات متدنِّية، وتَعَالَت صيحات الأدباء والكتَّاب بضرورةِ الحرص على صحة اللغة العربية وسلامتها، وظهرت عدَّة كتب تُعنَى بما اصطلح عليه لغةُ الجرائد؛ لتصحِّح الخطأ، وتقوِّم المعوجَّ من أساليب الكتابة، وترُدَّ الاعتبار للغة العربية، وتمَّ تكليف أدباء كبار ولغويين لتحرير المقالات وتصحيح المعروض على النشر، وكان عليهم ابتكارُ لغةٍ وسيطة، سمِّيت بـ”اللغة السيَّارة” نسبةً للصحف السيَّارة التي ظَهَرَت حينئذٍ أو باللغة الإعلامية، ووضع علماء اللغة المؤلفات التي تشخص الداء وتضع الدواء فأثمرت جهودهم إلى حد بعيد، فتحولت هذه الوسائل أدوات ساهمت لحد كبير في تشرب الرجل العامي والشباب العربي للغتهم.

إن عودة الناس للغة العربية وسلامتها النحوية والصرفية مرهون الآن بجهود علماء اللغة على كيفية تجديد قواعدها، وتسهيل أساليبها، وربطها بالاستعمال اليومي من خلال اشتقاقات لغوية تساير وتواكب العصر بدلا من القواعد التي لا زالت تدرس بنفس الأساليب القديمة، بل حتى بنفس الأمثلة التي لا يزال فيها “ضرب زيد عمرًا” ولا ندري إلى متى سيظل يضربه؟!.. فضلًا عن وجوب انخراط علماء اللغة بأبحاثهم في واقع الحياة واستخدام الأدوات والأساليب التي يقبل عليها الجماهير.. بدلا من الاستمرار في توجيه الاتهامات والبكاء على الأطلال.

لقد ظهرت خلال التاريخ العربي دعوات كثيرة لتجديد النحو العربي لم تلقَ رعاية واهتمامًا كان على رأسها ما حاوله ابن مضاء الأندلسي، الذي وجد الأبحاث النحوية، كأبحاث الفقه، تتضخم بتقديرات وتأويلات وتعليلات وآراء لا حصر لها، فمضى يهاجمها في ثلاثة كتب، هي: المشرق في النحو، وتنزيه القرآن عما لا يليق بالبيان، والرد على النحاة، وظهرت عبارة شهيرة لضرب المثل بضعف الحجة والبرهان بقولهم “حجته كحجة نحوي”. وفي العصر الحديث ظهرت محاولات كثيرة وئدت جميعها في مهدها مثل كتاب “في إصلاح النحو العربي دراسة نقدية” لمؤلفه عبدالوارث مبروك سعيد، و”تجديد النحو” لشوقي ضيف، وغيرها.. والتي نحن في أمس الحاجة لها الآن من أجل العودة إلى اللغة العربية، بدلا من هذه النظرة الجامدة لقواعد اللغة العربية التي وضعها الأقدمون من أجل تسهيل لغة عصرهم.

فالتقعيد النحوي وضع أساسًا لتسهيل اللغة لغير الناطقين بها، عندما عم اللحن وكثر الخطأ، فعملية التقعيد والتنظير جاءت جهودًا لتجديد اللغة، ورغم أن المنطق يقول باستمرار عملية التقعيد مع استمرار عملية التطبيق، فالأحكام تدور مع علتها وجودًا وعدمًا، إلا أن اللغويين ربطوا هذه القواعد والتنظيرات بروابط شرعية مقدسة جعلوا قدسيتها من قدسية الكتاب الحكيم، رغم أن التطبيق اللغوي يؤكد باستمرار عدم اطراد هذه القواعد، التي يمكن أن يعتريها التغيير والتبديل، لو كان لهذه القواعد من القدسية شيء لما اختلف حولها المنظرون أنفسهم، ولما اختلفوا إلى مذاهب ومدارس، والعرب في لغتها تبحث عن فهم المعنى، فإن فهم فقد تحقق المراد وافق القاعدة أو خالفها، فالعرب تقول “أخرق الثوبُ المسمارَ” برفع الثوب…مع علمهم باستحالة كون الثوب فاعلًا.

الدكتور فودة محمد علي

أستاذ مشارك – قسم الاتصال والإعلام – كلية الآداب – جامعة الملك فيصل

التعليقات مغلقة.