أم لشخصين من ذوي الإعاقة البصرية تسرد قصة كفاحها في لقاء #لأجلهم_لا_مستحيل

مدة القراءة: 3 دقائق

الأحساء – “الأحساء اليوم”

إيمانًا منها بتأثير الأسرة والدور الذي تحمله على كاهلها تجاه أبنائها كونها لبنة الأساس والبيئة الأولى التي تحتضن كل فرد وتترك بصمتها على مستقبله، نظّمت جمعية الأشخاص ذوي الإعاقة بالأحساء، مساء السبت الماضي، في مقرها اللقاء الملهم #لأجلهم_لا_مستحيل، والذي استضافت فيه السيدة ممتاز رضوي لتحكي قصة كفاحها، وتنقل تجربتها مع ابنيها “نقي” و”فاطمة” من ذوي الإعاقة البصرية.

وقد استُهِل برنامج اللقاء، الذي أبدع في تقديمه وإدارته وترجمته من وإلى اللغتين العربية والإنجليزية محمد الخليفة السيد، بآيات من الذكر الحكيم بصوت مشعل الجعفر من ذوي الإعاقة البصرية، ومن ثم كلمة إدارة الجمعية التي ألقتها مديرة مركز شذى للرعاية النهارية التابع للجمعية حصة البنيان، والتي بدورها رحبت بالحضور الغفير، معبرةً عن سعادتها بهذا الجمع المميز.

وأضافت “البنيان” مثمنةً لضيوف اللقاء “السيدة ممتاز وابنتها فاطمة” حضورهما وتحملهما عناء السفر، كما توجت كلمتها بإسباغ جزيل الشكر والعرفان لعضو مجلس إدارة الجمعية، مدير معهد النور بالأحساء سابقًا عبدالرحمن الموسى؛ نظير قبوله الدعوة بتقديم الحلقة النقاشية والاستزادة من خبرته الواسعة في هذا المجال.

وتحدثت “ممتاز” عن أولى اللحظات التي علمت فيها بإعاقة ابنها الأول “نقي” ومن بعده أخته فاطمة، وعن إصابتهما بمرض “الجلوكوما الخلقية” الذي يؤدي إلى تدهور في النظر حتى العمى، قائلةً: “قطعت على نفسي عهدًا بأن لا أضيّع طاقتي بالبكاء، بل بتعليم أبنائي وبذل كل جهدي للوصول بهم إلى التميز”، مؤكدةً أن ثقتها بالله والإلحاح في الدعاء والإيمان التام بأنه لا يوجد شيء مستحيل كان يمنحها المزيد من القوة والثبات حتى في أحلك الظروف.

واعتبرت “رضوي” أن تلك القوة التي امتلكتها ألهمت أبناءها الثقة الكبيرة والطموح العالي لينطلقوا دون تردد إلى العالم، وليواجهوا العقبات بقوةٍ وشموخٍ كالجبال حتى يبلغوا القمة، مشيرة إلى أنها نجَحَت في شحذ نفسها وأبنائها بالعزيمة منذ صغرهم لتخطي العقبات، وعند بلوغ نقي “طفلها الأول” سن السابعة بدأت الحيرة وبدأ القلق يدب في خاطرها عن المدرسة التي يمكن أن تقبله! وكيف سيتمكن من التعلم! والكثير من التساؤلات والمخاوف… إلا أنها اختارت المجازفة والمطالبة بدمجه وإلحاقه بمدرسة عادية مع أطفال مبصرين؛ حيث استطاعت أن تحقق ما تصبو إليه.

وأكدت أنها أنها سعت جاهدة لتوفير الوسائل التي تناسب حالته كي يستطيع التعلم، حيث بدأ الكتابة بقلم الرصاص، ومع تدهور حالته كان يستخدم الأقلام العريضة، حتى فقد بصره، فتعلمت طريقة برايل ذات النقاط البارزة الخاصة بالمكفوفين لتقوم بنفسها بتعليم ابنها، وعندما لم تتلاءم هذه الطريقة مع حالته، توجّهت إلى توفير أجهزة تسجيل ليقوم بتسجيل صوت المعلمين أثناء الشرح، والاعتماد على المذاكرة السمعية.

ولفتت إلى أنها حرصت على الاطلاع والبحث عن كل الوسائل التي ستمكن ابنها من التعلم بشكل أفضل، إذ كانت تصنع له الأشكال بالصلصال تقول: “بفضل الله كان نقي يتميز بسرعة الحفظ والاستيعاب، حتى أنه كان معروفًا بين المعلمين والطلاب في مدرسته بذلك”، مشبهة هذه الخطوة بأنها بمثابة البحث عن اللؤلؤ في قاع البحر، وتقصد به اكتشاف المهارات التي يمتلكها ذوو الإعاقة ودعمهم.

ولم تعرف المرأة الطموحة المستحيل، بل غرست في أبنائها أنه عند تحقيق الهدف ستصادفك عقبات لا بد من تغيير طريقة التعامل معها تمامًا مثل عوائق الطريق إن لم تستطع إماطتها فتنحى عنها وأكمل المسير.

وأنهى “نقي” المرحلة الثانوية لتبدأ معها رحلة البحث عن جامعة، كان طموحه عاليًا، أراد أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا، بحَث طويلًا عن جامعةٍ تقبله في هذه التخصصات، لكنه قُوبل بالرفض من جامعاتٍ كثيرة حول العالم، إلا أن عزيمته لا تقبل الهزيمة، حاول مرارًا وتكرارًا حتى تم قبوله في جامعة الفيصل بالرياض في قسم الهندسة المدنية، وأخيرًا تخرج منها مهندسًا ليشّق طريقه بعدها إلى بريطانيا لإكمال دراسة الماجستير. بينما تمكنت فاطمة من الحصول على درجة البكالوريوس في الموارد المالية بتميز مع مرتبة الشرف.

واختتم “ممتاز” بتوجيه رسالتها إلى أسر ذوي الإعاقة قائلةً: “إن هذا الطفل لم يأتِ إلى هذه الحياة كشخص مريض وحسب، بل كشخص له غرض أكبر بكثير في هذه الحياة، وإن الله اختارهم لمواجهة هذا الاختبار؛ لأنه يعرف مدى قوتهم، وأنهم قادرون على أن يصنعوا من أبنائهم أشخاصًا لا يقلون أهمية عن الأشخاص الطبيعيين، وأن يستعينوا بالله في تربية أبنائهم”.

ومن جانبه، أوضح رئيس مجلس الإدارة عضو مجلس الشورى الدكتور سعدون السعدون، أن الجمعية تسعى من خلال إقامة مثل هذه البرامج إلى تقديم الخدمات الشاملة للأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم، والعمل الدؤوب على مساندتهم ورفع مستوى الثقافة والوعي لديهم وإرشادهم من أجل التعايش مع تلك الإعاقة والتعاطي معها بصورة مثلى.

ونبّه “السعدون” بأن لنقل أثر بيت ذا خبرة وتجربة واقعية بالتأكيد سيكون له الأثر الأكبر في تحفيز كل أسرة على التأسي به، مؤكدًا أنه لا بد أولًا من تقبل الأسرة لإعاقة طفلها تذليلًا لاندماجه وتقبل المجتمع له.

وفي هذا السياق، أشار “الموسى” إلى تجربته الناجحة مع الدمج، موضحًا أن منطقة الأحساء لها السبق في تطبيق برنامج دمج الطلاب من ذوي الإعاقة البصرية مع الطلاب المبصرين في مدارس التعليم العام منذ قرابة 30 سنة، حيث كان مديرًا لمعهد النور عام 1408هـ، وقد عمد إلى المطالبة بدمج الطلاب المكفوفين تدريجيًا وفق خطة ودراسة متكاملة، مع مراعاة ضرورة تهيئة البيئة التعليمية، وتوفير الوسائل المساعدة، ووضع الضوابط اللازمة، وإيجاد غرفة للمصادر، إضافةً إلى التأهيل النفسي والحركي والأكاديمي للطالب الكفيف.

في حين أشاد المدير التنفيذي للجمعية عبداللطيف الجعفري، بجهود المملكة ومساعيها الحثيثة في دعم الطموحين واحتوائهم، منوهًا باهتمامها بدمج ذوي الإعاقة من خلال رؤيتها الرشيدة 2030، والتي ترنو من خلاله إلى تمكين ودعم هذه الفئة في شتى المجالات.

 

التعليقات مغلقة.