الأحساء.. واحة الوئام 

مدة القراءة: 3 دقائق

كتب للأحساء اليوم – الشيخ الأخضر*

عندما كنت طالبًا بمرحلتي النهائية في جامعة الإمارات عام ١٩٨٨، ودراستي في الهندسة الكيميائية والبترول؛ ذهبت إلى الأردن لدراسة الفصل الصيفي في الجامعة الأردنية، وقررت السفر بالسيارة بدلًا من الطائرة، منطلقًا بحس الحماس والمغامرة لحب العلم والاكتشاف.

انطلقت بسيارتي من “عجمان الإمارات إلى عمّان الأردن” مرورًا بالمملكة العربية السعودية، وعبرت المنطقة الشرقية، تحديدًا منطقة الأحساء، وكانت هذه زيارتي الأولى للمدينة التي وصلت لها ليلًا، ولن أنسى أبدًا المتاهات التي ضعت فيها؛ لعدم وجود اللوحات الإرشادية التي تدلني لاستكمال مسيرتي إلى القرى والمدن من خلال الطرق الخارجية والداخلية.. مع هبوب عواصف رملية فجائية ناعمة، وكأنني أبحر فوق أمواج البحر مع ارتفاع وانخفاض السيارة الخفيفة التي كنت أقودها في بعض الشوارع غير المعبدة.. ولكن -للأسف- لم تتح لي فرصة التجول في المدينة لاستكشافها والاطلاع على تاريخها.

وبعد مرور ٣٠ عامًا، قُدر لي زيارة محافظة الأحساء بجولة علمية اكتشافية في ديسمبر ٢٠١٨، وتعتبر هذه الزيارة الثانية لي، التي كانت بتشجيع كبير من صديق تعرفت إليه في كندا وهو طبيب سعودي، وبدعوة كريمة من الجمعية الجغرافية السعودية لمشروع الخرائط الإلكترونية، وبرعاية إحدى الشركات العالمية للخرائط من هولندا، مع مشاركة نخبة من علماء الجغرافيا والطبيعة والتاريخ من جامعات سعودية عدة، وكانت المدينة والقرى المجاورة مختلفة تمامًا بعد تغير انطباعي السابق لها، فكانت زيارة موفقة جدًا وغنية بالمعلومات والتجارب، واستفدنا من خبرة الصحبة الأخيار، وتعلمنا منهم ومن خبراتهم تراث وتاريخ المنطقة، وعن الزراعة والعلوم والانسجام بين مختلف الأجناس والشعوب.

أما زيارتي الثالثة فكانت في نوفمبر ٢٠١٩ للمشاركة في مؤتمر الأحساء للسياحة العربية، بتنظيم من الجمعية الجغرافية السعودية، وبالتعاون مع قسم الجغرافيا بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والتي كانت الداعمة لإنجاح وتميز هذا المؤتمر الثري، حيث تم اختيار الأحساء العاصمة السياحية عربيًا لمناطقها الأثرية وتراثها العمراني وواحاتها الغنية بالنخيل والمياه، إذ إن الأحساء عضو في شبكة اليونسكو للمدن الإبداعية في مجال الحرف اليدوية والفنون الشعبية.. وهناك شد انتباهي جمال العمران التراثي للمساجد العريقة والأسواق التراثية والمدارس القديمة، تجوّلنا في سوق القيصرية والمدرسة الأميرية ومدرسة القبة العلمية والشرعية، وصلينا بمسجد الجبري، وزرنا رباط الشيخ بوبكر بالكوت وقصر إبراهيم وبيت البيعة، ومسجد جواثا الذي بُني في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وتشرف ببنائه سكان بلاد البحرين آنذاك، وهم بنو عبد قيس، الذين بادروا بإسلامهم طوعًا لا كرهًا، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم أهل تلك الديار بقوله: “أكرموا إخوانكم فإنهم أشبه الناس بكم، أسلموا طوعًا لا كرهًا”.

الأحساء تعني الينبوع الذي يمتاز بوفرة العيون المائية النقية، وقد وُصفت الأحساء بأنها إحدى جنان الصحراء، حيث تحوي أكبر واحة نخيل في العالم. وبتكوينها الطبيعي وسط بحور من الرمال من كل صوب جعلها حضنًا للحياة في قلب الصحاري، فأصبحت حقًا “واحة للوئام” ينسجم فيها زائرها بكل أريحية وتناغم.

موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية؛ جعلتها تمتاز بإرث حضاري وإنساني عريق، فكانت منطقة للعديد من الحضارات التي سكنت مدنها وقراها، حتى غدت محطة الالتقاء بين القوافل التجارية العابرة ومركزًا اقتصاديًا لتجارة السلع والمنتجات العالمية التقليدية والزراعية.

وتختزل “واحة الوئام”، إضافة إلى كنوزها الحضارية وآثارها التاريخية، نموذج أهلها الذين يضرب بهم المثل في التعايش والمحبة والوئام، فتجد عندهم روح التسامح والحوار بين مختلف المذاهب والأطياف وتقبل الطرف الآخر. آراؤهم تمثلهم وأعمالهم للجميع، فالأحساء تعزز ما يحميها وتتجاهل ما يفرقها. فتجد الكرم في أهلها والعلم بمدارسها التاريخية، والعطاء في نخيلها التي تجود بأطيب وأغلى أنواع التمور، والعذوبة في ينابيعها التي تسقي الحرث والنسل ليعم الخير أطرافها كافة.

ويتخطى كل هذا باطن أرضها فتجد أكبر حقل للذهب الأسود في العالم، وهو نفط حقل “الغوار” الذي ينتج ما يزيد على خمسة ملايين برميل يوميًا؛ أي ما يعادل ٦،٢٥٪ من الإنتاج العالمي.

في زيارتي الأخيرة للأحساء، قدمت تجربتي عن السياحة البيئية وأثرها في تعزيز الوعي البيئي وتغيير السلوك والأثر من خلال تجاربي الشخصية والتدريبية، فكنت المتحدث الرئيس في مؤتمر الأحساء للسياحة العربية. فتعريفي للسياحة البيئية هي السياحة التي تتطلب السفر أو الرحلات إلى مواقع طبيعية غير ملوثة بهدف الترويح والتمتع بالمناظر الطبيعية الخلابة مثل الأشجار والنباتات والطيور والحيوانات ومن غير التدخل أو إحداث أي ضرر.

وهناك تحديات على السياحة البيئية مثل زيادة عدد السكان والإقبال المتزايد من السواح والزائرين والأثر السلبي في الأماكن الطبيعية، وتأثيرات التغيرات المناخية وغيرها من عوامل الضغط على البيئة.

وتعتبر البيئة الصالحة والجذابة ذات التنوع الإحيائي من أهم الموارد التي تساعد على تطور السياحة وحركتها، والكثير من الدول تبرز أهمية الوعي السياحي والبيئي من أجل المحافظة على البيئة، فأساس الوعي السياحي والبيئي يعتمد على الإدراك الحسي والمسؤولية تجاه الموارد الطبيعية والمحافظة عليها، ولنجاح السياحة البيئية نحتاج لمساعدة الناس على العيش بصحة وسلامة وترشيدهم على الاستهلاك الواعي وإلى استخدام الموارد بشكل مستدام لإنتاجية اقتصادية آمنة، واستقرار اجتماعي منسجم ومتعايش بصورة سليمة مع الطبيعة والحياة الفطرية.

الأحساء، نموذج لكل ما ذكرته عن السياحة البيئية، فهي حقًا “واحة الوئام” التي تتصف في هذه الأرض المباركة.. فلولا الوئام لهلك الأنام، أن يعيش الناس بعضهم مع بعض، لأن الصغير كبيرٌ بأسرته، والفقير غنيٌ بمجتمعه، والضعيف قويٌ بوطنه، والقاسم الذي يجمعهم كلهم الحب والانسجام الانتماء للوطن.. لذلك الوئام أهله النبل والكرام.

الشيخ الأخضر: هو الشيخ الدكتور عبدالعزيز بن علي بن راشد النعيمي، مسؤول بيئي ومجتمعي، يعزز أفكاره ومفاهيمه وأعماله لإثراء الإنسان وتطويره وحماية البيئة وسلامتها.. يدعو إلى تمكين الشباب، وغرس قيمة الإحسان والوئام لاحترام الآخرين والانسجام معهم، والاستفادة من الاختلافات وأوجه التشابه بين الشعوب والحضارات.

التعليقات مغلقة.