محمد بن راشد يكرّم صنّاع الأمل ويعلن دعم مستشفى مجدي يعقوب بـ88 مليون درهم

مدة القراءة: 14 دقائق

الأحساء – “الأحساء اليوم”

كرّم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (رعاه الله)، صنّاع الأمل الخمسة المتأهلين لنهائيات مبادرة صناع الأمل بمكافأة مالية بقيمة مليون درهم إماراتي لكل منهم؛ لتبلغ قيمة جائزة “صناع الأمل” خمسة ملايين درهم إماراتي، متوجًا صانع الأمل أحمد الفلاسي وعائلته بلقب صانع الأمل العربي للعام 2020 بعد حصوله على أعلى نسبة تصويت خلال الحفل الختامي الحاشد الذي أقيم في كوكاكولا أرينا بدبي وحضره في دبي 12,000 شخص، إلى جانب متابعة الملايين من الناس من مختلف أنحاء الوطن العربي والعالم عبر شاشة التلفزيون وعبر قنوات التواصل الاجتماعي.

وأعلن صاحب السمو رصد ريع الحفل الختامي لمبادرة صنّاع الأمل لصالح مشروع بناء مستشفى مجدي يعقوب الخيري لعلاج أمراض القلب في مصر، والذي سيعمل على توفير العلاج المجاني وإجراء أكثر من 12,000 عملية جراحية سنويًا لمرضى القلب في العالم العربي وتحديدًا الأطفال الذين سيخصص المستشفى الجديد 70% من عملياته لهم دون مقابل.

وشهد الحفل تقديم مساهمات من عدد من رجال الأعمال والشركات في الإمارات لدعم إنشاء وتجهيز مستشفى الدكتور مجدي يعقوب، فيما أعلن سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، تقديم مساهمة لدعم المستشفى تساوي إجمالي مساهمات رواد الأمل من رجال الأعمال؛ ليتم مضاعفة المبلغ ليتخطى المبلغ الإجمالي 88 مليون درهم.

وفي الأثناء، قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أن “صنّاع الأمل هم أبطال حقيقيون للعطاء ورموز ملهمون للعمل الخيري والإنساني.. يأخذون زمام المبادرة فيعم خيرهم غيرهم”، وأضاف بأن “صنّاع الأمل الذين يعملون من أجل مجتمعهم وأوطانهم ينتجون حراكًا مجتمعيًا إيجابيًا يدعم تحقيق التنمية واستعادة الثقة بالمستقبل في العالم العربي”.

وذكر سموه: “تابعنا عشرات آلاف القصص الملهمة لصنّاع أمل عرب شكلوا منارات للأمل في مجتمعاتهم بتفاؤلهم وإيجابيتهم”، لافتًا سموه بالقول: “صنا ع الأمل أخلصوا في خدمة الناس دون انتظار مردود أو مقابل، فكانوا قدوة لغيرهم ونموذجًا لمن حولهم في كيفية تحويل التحديات إلى فرص”.

وأعلن سموه: “هذا العام نخصص ريع الحفل الختامي لصناع الأمل لمشروع إنساني عربي يحيي القلوب ويقدم العلاج بالمجّان”.

وأكد صاحب السمو أن “رسالة صناع الأمل يحملها أبطاله في الوطن العربي ليؤكدوا أن التفاؤل زاد المبدعين، والتقدم حليف الإيجابيين الذين يصنعون الفرص من التحديات وينيرون الطرق لغيرهم، ويبثون روح العمل في كل ما يحيط بهم.”

ونوّه بأن “العالم العربي فيه مخزون لا ينضب من الطاقات والإمكانات والقدرات، وصنّاع الأمل من أبطال العطاء هم الوجه المشرق لهذه القدرات”، مختتمًا بقوله: “أعتز بـ 92 ألف مشارك في “صنّاع الأمل” من أبطال العطاء.. الذين أصبحوا رموزًا عربية مميزة في مجال العمل الخيري والإنساني”.

وشهد حفل صناع الأمل أكبر حملة تبرع من نوعها على الهواء مباشرة من خلال تعهد عدد من رجال الأعمال والمؤسسات في دولة الإمارات بالتبرع لمشروع العام الإنساني وهو بناء وتجهيز مستشفى الدكتور مجدي يعقوب لعلاج أمراض القلب في مصر، حيث سيعالج المستشفى الآلاف من مرضى القلب سنويًا من مصر ومن العالم العربي مجانًا. وبلغ حجم التبرعات في الحفل 44 مليون درهم إماراتي، تنافس خلالها رواد الأمل من رجال الأعمال والمؤسسات والشركات على ترجمة مسؤوليتهم المجتمعية من خلال دعم صرح إنساني كبير.

إلى ذلك، توّج محمد بن راشد، أحمد الفلاسي وعائلته بلقب صانع الأمل الأول في العام 2020 على مستوى الوطن العربي، وذلك عن مبادرته الخاصة بمساعدة المصابين بالقصور والفشل الكلوي وتوفير تجهيزات الرعاية الصحية لعلاج الفقراء والمحتاجين في مومباسا بكينيا، حيث حاز اللقب من بين أكثر من 92 ألف صانع أمل شاركوا في الدورة الثالثة من مبادة “صناع الأمل”، من 38 دولة حول العالم.

وتضمن الحفل، الذي امتد على مدى أربع ساعات، العديد من الفقرات الفنية شارك فيها نخبة من أبرز الفنانين في الوطن العربي مثل الفنانة نوال الكويتية، والفنانة بلقيس، والفنان محمد عساف، والفنان العالمي ردوان، كما شارك في فقرات الحفل عدد كبير من نجوم الوطن العربي من فنانين ورياضيين وإعلاميين وممثلين من بينهم طارق العلي، وقصي خولي، وياسر القحطاني، وعمرو أديب، ومنى الشاذلي، وأحمد حلمي.

كما قلّد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، البروفيسور مجدي يعقوب وشاح محمد بن راشد للعمل الإنساني لقاء جهوده في العمل الخيري والإنساني وإنجازاته الطبية والعلمية التي منحت على مدى أكثر من 50 عامًا الأمل والحياة للملايين من المرضى حول العالم.

ومن جانبهم، استعرض صناع الأمل الخمسة الذين بلغوا النهائيات قصصهم ومبادراتهم في الحفل الذي استضافته قاعة كوكا كولا أرينا بدبي وسط حضور ناهز 12,000 شخص.

وضمت قائمة المرشحين الخمسة كلًا من الدكتور مجاهد مصطفى علي الطلاوي من مصر الذي يقدم الرعاية الصحية للمساكين والفقراء منذ عقود برسم رمزي أو دون مقابل، ويدعم الفقراء والمحتاجين والأيتام في قريته طلا في صعيد مصر، وعلي الغامدي من المملكة العربية السعودية والذي يكفل الأيتام في آسيا وأفريقيا منذ سنوات من ماله الشخصي ودون دعم من أحد، وستيف سوسبي الصحفي الأمريكي الذي حصل على الجنسية الفلسطينية لقاء جهوده مع أطفال فلسطين ممن فقدوا أطرافهم وتشجيعه فرق الأطباء والمتطوعين من مختلف أنحاء العالم على مساندة للطواقم الطبية الفلسطينية، مؤسسًا صندوق إغاثة أطفال فلسطين، وأحمد الفلاسي من دولة الإمارات العربية المتحدة والذي كرّس وقته وماله لمساعدة المصابين بالقصور والفشل الكلوي وتوفير تجهيزات الرعاية الصحية لعلاج الفقراء والمحتاجين في أفريقيا، ومحمد بزيك من ليبيا، والذي يعمل منذ سنوات طوال مع الأطفال المتروكين والميؤوس من حالتهم الصحية في لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية.

وقدّم صناع الأمل، الذين بلغوا النهائيات، في الحفل مبادراتهم أمام الجمهور وتم عرض قصصهم المؤثرة من خلال فيديوهات لخّصت لجمهور الحفل والحضور تجربة كل منهم، وسط تفاعل الجمهور الذي صوت لاختيار صانع الأمل الأول من بين هذه القصص ذات البعد العاطفي والإنساني الملهم.

وأجاب المرشحون الخمسة على أسئلة نهائية وجهها لهم إعلاميون ومشاهير من العالم العربي، حيث طرحت الإعلامية منى الشاذلي سؤالًا على صانع الأمل أحمد الفلاسي وعائلته حول دور الأسرة ككل في دعمه في مشاريعه الإنسانية، فيما حاور الفنان قصي خولي صانع الأمل محمد بزيك عن علاقته بالأطفال الذين يرعاهم والمصابين بأمراض ميؤوس من شفائها، كما تحاور الإعلامي عمرو أديب مع صانع الأمل مجاهد مصطفى الطلاوي حول تجربته الإنسانية الممتدة على مدى ثلاثين عامًا، وحاور الفنان محمد عساف صانع الأمل ستيف سوسبي حول علاقته بفلسطين وأهلها، فيما حاور النجم الرياضي ياسر القحطاني صانع الأمل علي الغامدي، مستفسرًا منه حول الإمكانيات والموارد الشخصية التي يرصدها لمشروعه الإنساني.

واستقبلت مبادرة صناع الأمل في دورتها الثالثة أكثر من 92 ألف مشاركة من كافة أرجاء العالم العربي، بالمقارنة مع 87 ألف مشاركة في دورة عام 2018، و65 ألف مشاركة في الدورة الأولى في العام 2017.

وخضعت الترشيحات كافة لعملية فرز وتقييم ودراسة مستفيضة، وفق معايير وشروط حكمت اختيار صناع الأمل المؤهلين للقب، من بينها: حجم الأثر الذي تحدثه المبادرة في المجتمع المعني وقدرتها على الوصول بفعالية للشريحة المستهدفة؛ وما إذا كانت المبادرة مبتكرة وخلاقة توفر حلولًا ومقاربات خلاقة لتحديات رئيسية في المجتمع المعني؛ ومدى التزام صاحب المبادرة بها وحرصه على إنجاحها واستثمار كافة الجهود الممكنة في سبيل ذلك؛ وقابلية استمرار المبادرة وآفاقها المستقبلية وقدرتها على التطور وتوسيع نطاق تأثيرها لتشمل أكبر عدد من المستفيدين؛ بالإضافة إلى إمكانية استنساخ المبادرة أو تطبيقها في مجتمعات تواجه تحديات أو قضايا مشابهة بحيث تشكل هذه المبادرة نموذجًا يمكن تبنيه على نطاق جغرافي ومجتمعي واسع.

ورصدت مبادرة صناع الأمل الأكبر من نوعها عربيًا لتكريم أصحاب العطاء ريع حفلها الختامي هذا العام لصالح مشروع العام الإنساني وهو بناء وتجهيز مستشفى البروفيسور مجدي يعقوب لعلاج أمراض القلب الخيري في مصر، الذي سيصبح لدى إنجازه أكبر المؤسسات الطبية المتخصصة في أمراض وجراحات القلب في العالم العربي.

ويقدم المستشفى خدمات الرعاية الصحية عالمية المستوى دون مقابل لمرضى القلب ممن لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج والأدوية والمتابعة الصحية. ويضم مجموعة متكاملة من العيادات الخارجية التي تتجاوز طاقاتها الاستيعابية السنوية أكثر من 80 ألف مريض سنويًا. فيما يستطيع المستشفى الجديد بتجهيزاته الحديثة وغرف عملياته عالمية المستوى إجراء 12 ألف عملية جراحة سنويًا؛ 70% منها للأطفال.

ويوفر المستشفى التدريب لأكثر من 1000 طبيب وجراح مختص في أمراض القلب، وذلك ضمن مركز التعليم والتدريب التابع لمؤسسة مجدي يعقوب لأمراض وأبحاث القلب، فيما يضع الكادر الطبي والعلمي والبحثي في المستشفى خارطة جينية تفصيلية لأمراض القلب في العالم العربي استنادًا إلى سجلات الحالات ونتائج الأبحاث وحصيلة الخبرات والمشاهدات العلمية لتطوير آليات التشخيص والتدخل العلاجي المبكر لأمراض القلب في المنطقة العربية.

وأعلنت 10 مؤسسات ورواد أعمال وشخصيات مشهود لها بالعمل الإنساني خلال الحفل الختامي لتكريم صناع الأمل تقديم مساهمات مالية لدعم مشروع بناء مستشفى مجدي يعقوب الخيري لعلاج أمراض القلب، بلغ مجملها 44 مليون درهم إماراتي؛ بواقع 3 ملايين درهم من مجموعة طيران الإمارات، و5 ملايين درهم من هيئة كهرباء ومياه دبي، و6 ملايين درهم من هيئة طرق ومواصلات دبي، و5 ملايين درهم من بنك الإمارات الإسلامي، و6 ملايين درهم من مجموعة الأنصاري، و3 ملايين درهم من رجل الأعمال مشعل كانو، و3 ملايين درهم من مؤسسة حسين سجواني – داماك الخيرية، و6 ملايين درهم من مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية، و3 ملايين درهم من مجموعة اللولو العالمية، و3 ملايين درهم من مجموعة جيمس للتعليم. كما أعلن فاعل خير عن تقديم مساهمة قيمتها مليون درهم لدعم إنشاء وتجهيز المستشفى، كما تبرع الفنان أحمد حلمي بمبلغ مليون جنيه مصري، وهو ما يعادل 235 ألف درهم إماراتي.

سفير الأمل

وكشف الحفل الختامي لصناع الأمل عن تعيين مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، الفنان المصري أحمد حلمي سفيرًا للأمل، ليعمل مع المؤسسة على نشر رسالة الأمل وحملها إلى مختلف فئات المجتمعات العربية وفي مقدمتها الشباب.

فيما أعرب “حلمي” بدوره عن سعادته بتعيينه سفيرًا لصناع الأمل، واعتزازه بكونه جزءًا من فريق الأمل العربي، موجهًا الشكر لدولة الإمارات العربية المتحدة على هذه المبادرة التي جمّعت العرب على هدف مشترك.

وحضر الحفل الأضخم من نوعه لدورة هذا العام من صناع الأمل أكثر من 12 ألف شخص في قاعة كوكاكولا أرينا بدبي، وذلك بمشاركة نخبة من النجوم والفنانين والمثقفين والإعلاميين ومؤثري التواصل الاجتماعي العرب، وبحضور شخصيات بارزة في مجال العمل الإنساني والخيري والمجتمعي على مستوى العالم العربي.

وافتتح الحفل بأداء الفنانة بلقيس النشيد الوطني الإماراتي برفقة 12 ألفًا من الحضور، وأحيا الفقرات الفنية والترفيهية لحفل صناع الأمل مجموعة متميزة من نجوم العالم العربي، ومنهم المطربة نوال الكويتية، التي خصصت أغنية لصنّاع الأمل، والفنانة الإماراتية بلقيس والفنان الفلسطيني محمد عساف والفنان الموسيقي العالمي ردوان RedOne.

وحضر حفل تتويج صناع الأمل عدد من الفنانين والممثلين والإعلاميين والرياضيين البارزين على مستوى العالم العربي، من بينهم نجم الكرة السعودية ياسر القحطاني والفنانين طارق العلي وقصي خولي وأحمد حلمي والإعلاميين منى الشاذلي وعمرو أديب، بمشاركة أكثر من 140 صحفيًا وإعلاميًا يمثلون مختلف وسائل الإعلام العربية لنقل فعاليات الحفل الذي بثّ عبر التلفزيون وقنوات التواصل الاجتماعي. كما حضر الحفل في حفل تكريم صنّاع الأمل العرب، والذي بث عبر قنوات التواصل الاجتماعي، عدد من مؤثري التواصل الاجتماعي الذين يصل إجمالي متابعيهم إلى 50 مليون.

ومن فوق منصة الحفل الختامي لمبادرة صنّاع الأمل، أطلقت أغنية ملحمية من تلحين وإنتاج الفنان العالمي ردوان، شارك فيها أكثر من 50 شخصية من فناني ونجوم الوطن العربي لتكون رسالة أمل ومحبة للعالم، محتفية بقيم الطموح والإنجاز والإيجابية، مشددة على أهمية ثقافة الأمل التي تجعلنا نقهر الصعاب ونحقق المستحيل.

قصص الأمل

وفيما يلي نظرة مفصلة عن مبادرات صناع الأمل الخمسة الذين بلغوا النهائيات:

الدكتور مجاهد مصطفى علي الطلاوي طبيب المساكين

“طبيب المساكين”؛ هكذا سماه أهل قرية طلا في صعيد مصر. رأوا فيه الإنسان والصديق والابن والأخ والأب، الذي لا يخيّب أمل جيرانه وأهله، ولا يتركهم فريسة للمرض والعوز. عرفوه على مدى السنين الطوال عونًا وسندًا، يقيهم حرج السؤال في السقم، ويكفيهم همّ الدَين في المرض، ويقيل عثرات الكرام.

الدكتور مجاهد مصطفى علي الطلاوي، تخرّج من كلية الطب، فحصل من فوره على تعيين في مستشفى القصر العيني في العاصمة المصرية القاهرة. ورغم أن زملاءه وأقرانه غبطوه على ذلك التعيين، اعتذر عن قبوله، واختار طائعًا أن يقدم وقته وجهده وعلمه ومعارفه لأهل قريته طلا، الكائنة بمحافظة بني سويف بصعيد مصر. بسطاؤها صاروا عائلته الكبرى التي لأجلها يعمل ليل نهار، فامتدت تلك العائلة واتسعت عامًا تلو آخر.

الطبيب المصري كرّس حياته لمواجهة الفقر والمرض، وعاش على هذا النهج تنفيذًا لوصية والده الذي قال له في بداية مشواره المهني:  “إن المرضى إن وردوا عليك أسلموا لك أغلى ما يملكون من حياتهم، واستأمنوك على أرواحهم وأموالهم، فلا تكن للأمانة خائنًا، ولا تضيّع المسؤولية التي صارت إليك، بل كن على قدرها مع نفسك ومع أهل بلدك.”

بعد أكثر من ثلاثين عامًا من هذا القرار المصيري في حياة الدكتور مجاهد، استطاع ومن تطوع معه تشخيص وعلاج وتقييم وإحالة ما يقارب مليوني حالة على مدى أكثر من ثلاثة عقود بمعدل 60 ألف حالة سنويًا، وقام والعاملون معه بإجراء آلاف العمليات الجراحية.

يوميًا يعاين الدكتور مجاهد مع فريقه من 200 إلى 250 حالة من قريته وقرى الصعيد التي سمع أهلها عن رأفته بحال المرضى البسطاء فقصدوه من كل مكان ينشدون على يديه التشخيص والعلاج على طريق الشفاء. وهو عرف أن معظمهم لا يملكون، فعمل على تقديم استشاراته لهم بمبالغ رمزية تضمن لهم الرعاية الصحية الكريمة دون منّة من أحد.

وفيما قد تصل كلفة المعاينة الطبية في بعض الحالات إلى 300 جنيه في المنطقة، وهو ما يثقل كاهل البسطاء وضعاف الحال، يكتفي الدكتور مجاهد برسم معاينة رمزي يعادل أقل من دولار واحد أي عشرة جنيهات فقط، ويقدم المعاينة مجانًا لمن لا يملك الجنيهات العشرة. يستمع بهدوء وتواضع لشكوى الكبار في السن من ألم مزمن أو مرض عضال، ويشفق من بكاء الصغير، ويجيب الملهوفين على صحة أحبائهم من ذوي المرضى.

وتوسع الدكتور مجاهد في جهوده الخيرية، فصار يرصد مخصصًا شهريًا لدعم الطلبة من الأيتام وتوفير المستلزمات التي يحتاجونها خاصة في المدرسة ليساعدهم بتوفير الملابس والأحذية والقرطاسية حتى يبدؤوا العام الدراسي مقبلين على العلم على سوية أقرانهم. ووصل عدد الطلبة الذين دعمهم إلى 1500 طالب.

وصار يتبرع بثمن الخبز لمن لا يستطيعون شراءه من الأسر المتعففة، حتى وصل معدّل ما قدّمه على مدى سنوات إلى 200 ألف رغيف. وهكذا كان حتى أحيا الدكتور مجاهد الأمل في قريته ومحيطها بعمله الخيري والإنساني الذي تجاوز الطب إلى مساعدة الأيتام ومساندة المحتاجين وتقديم الدعم للفقراء.

أسرته التي ساندته في مشواره، كانت الفريق الذي يدعمه في السراء والضراء ويعمل معه على خدمة المجتمع. وبناته اللواتي تخرّجن في الحقل الطبي كوالدهن، أصبحن يساندنه في مهمته الإنسانية. والآن هو يوصيهن بمواصلة مسيرة العطاء للإنسان والإنسانية.

أمله أن يعيش حتى يرى المستشفى الذي يشيده في قريته يفتح أبوابه ويستقبل المرضى من مختلف الحالات، وهدفه أن يواصل القيام على تقديم الرعاية الصحية لكل من يحتاجها ممن يقصدون عيادته ما استطاع.

علي الغامدي.. أبو الأيتام

أراد أن يغيّر حياة الأيتام، فغيّروا حياته، وجعلوا منها نموذجًا لغرس الأمل دون مقابل في البقاع القصيّة والبلاد النائية والمجتمعات التي تغالب الجوع ساعةً فساعة وتكاد لا تجد ما يسد رمقها. وصارت حكايته قصة ملهمة قلّ نظيرها وصعُب تصورها حتى عليه؛ وهو الذي جاب عشرات الدول ورصد سنوات من عمره لهدف واحد وحيد منحه لقبه الأحب إلى نفسه “أبو الأيتام”.

علي الغامدي، السعودي الذي عمل مدربًا للطيارين في مقتبل عمره، ترك كل شيء خلفه ساعيًا إلى هدف حياته الأسمى الذي اختار فيه أن يكفل الأيتام في أقاصي قرى أفريقيا وآسيا، حتى وإن اضطر أحيانًا لاقتراض المال وتسديده لاحقًا، لا لشيء إلا ليرى الابتسامة وشعور الأمان والثقة بالإنسان والإنسانية على وجوه الأطفال والمحرومين والمعوزين من أبناء تلك المجتمعات الفقيرة.

لم يرزق الولد في بداية حياته، فقرر علي وزوجته كفالة يتيم، وإذا بالحمل يتم بعد هذا القرار بقليل. فما تراجعا عنه، بل اعتبراه البوصلة الجديدة لحياتهما التي كرّساها منذ تلك اللحظة الحاسمة لرعاية الأيتام ممن فقدوا الأهل والسند.

سافر أولًا إلى شرق آسيا وعمل على مدى أربعة أعوام على توفير الرعاية للأيتام في المجتمعات الفقيرة، بعد أن اطلع على أفضل ممارسات رعاية الأيتام في كلٍ من كوريا الجنوبية وهونج كونج وماليزيا والفلبين. قرر بعدها أن يتوسع في عمله الإنساني نحو أفريقيا.

جاب علي الغامدي 28 دولة أفريقية تعادل نصف دول القارة على مدى سنوات عديدة؛ مرت عليه سريعة تملأ قلبه بالسعادة والرضا لرضا الأيتام الذين يمد لهم يد الحنو والمساندة والأبوة.

وطوال مسيرة تجاوزت 17 عامًا كفل علي أكثر من 7000 يتيم. وآمن منذ البداية أن السلاح الوحيد للأيتام بصفة عامة وذوي الظروف الخاصة منهم تحديدًا هو العلم والتعليم، فأنشأ ثلاث مدارس تضمن التحصيل العلمي والمعرفي لأكثر من 1200 يتيمًا.

تجاوز عدد دور الأيتام التي يدعمها 21 دارًا، لكن ولأنه لم يرد لمن فقدوا ذويهم أن تنحصر حياتهم في دور الأيتام وأن يحرموا الفرص الواعدة على سوية أقرانهم، عمل على تمكينهم من بناء مستقبلهم بأيديهم من خلال العلم والرعاية، فأسس برنامجًا يعزز بناء شخصية الأيتام عن طريق دمجهم وتنشئتهم ضمن عائلات تحتضنهم وترعاهم وتقوم على تربيتهم وتمكينهم من تطوير قدراتهم ومهاراتهم وتولّي شؤونهم والاعتماد على أنفسهم مستقبلًا. وهو بدوره يقوم بدعم تلك العائلات الحاضنة بما مجمله 1000 طن من المواد الغذائية الأساسية شهريًا.

وهو إلى ذلك أقام عيادة طبية مجانية لعلاج الأيتام والفقراء يعمل بالتنسيق مع متطوعين في مجال الرعاية الصحية والخدمات الطبية لتشغيلها ومعاينة المرضى فيها دون مقابل.

زوجته وبناته وابنه فارس هم مرجعه، ومؤسسته الاستشارية الأولى، وفي مقدمة داعميه في مسيرته هذه، يساندونه في مشاريعه الجديدة ويعملون معه في الأماكن التي يقصدها لرعاية الأيتام وإغاثة المحتاجين الذين وصل عدد من يدعمهم منهم إلى 2000 أسرة، والذين تخلى لأجل مساعدتهم عن ملكية البيت والسيارة، واضعًا نصب عينيه رسم الابتسامة على وجوههم وتوفير حياة كريمة لهم ما استطاع.

وعلي الذي خصص مستحقات نهاية الخدمة الخاصة به لمشروع حياته هذا، يعمل متطوعًا على العشرات من المشاريع الخيرية والإغاثية، رافعًا لنفسه شعارًا لا ينفك يردده في كل حين “أسعد الناس من أسعدهم.”

أمله أن يواصل مشوراه ويطور مشروعه الإنساني بشكل أكبر حتى يستطيع الوصول إلى المزيد من الأيتام والمحتاجين حول العالم ويجدد أملهم بالمستقبل ويساعدهم على رؤية آفاق جديدة وفسحة أرحب للحياة.

ستيف سوسبي.. الفلسطيني

“اسمي ستيف سوسبي، وأنا فلسطيني. وهذه هويتي الفلسطينية، وهذا جواز سفري الفلسطيني الذي حصلت عليه هنا.” هكذا يستهل الصحفي الأمريكي ستيف سوسبي المقيم في الضفة الغربية منذ عقود حديثه معك وهو يروي لك قصته التي بدأت قبل أكثر من ثلاثين عامًا وتحديدًا عام 1989 حين كان يعمل صحفيًا في القدس.

رأى من وراء الكاميرا طفلًا يبلغ من العمر 10 سنوات اسمه منصور وقد فقد قدميه وذراعه وإحدى عينيه، فوضع الكاميرا جانبًا، ونزل ليعاين الواقع عن كثب كما هو دون تجميل، وزار الطفل في غرفة المستشفى التي تم نقله إليها.

هناك وفي تلك اللحظة بالتحديد رأى مسار حياته المستقبلي يرتسم بوضوح جلي أمامه، وقرر أن يكرّس حياته لمساعدة أطفال فلسطين. أدرك حينها أنه قادر على فعل شيء لهم، بأن يساند الأطفال الذين فقدوا أطرافهم ويحدث فارقًا إيجابيًا في حياتهم، لأنه لم يرد لمنصور وغيره من الأطفال ممن لا ذنب لهم أن يبقوا حبيسي الكراسي المتحركة ويفقدوا فرصهم وأملهم بالمستقبل.

أسس عام 1991 “جمعية إغاثة أطفال فلسطين” التي نجحت منذ ذلك الحين في تغيير حياة المئات من الأطفال الفلسطينيين من المرضى والمصابين ووفرت العلاج والرعاية الصحية لهم أو سهلت نقلهم إلى الخارج وإقامتهم وعلاجهم حتى تماثلوا للشفاء.

ستيف اليوم يتحدث بعضًا من العربية المحكية بلهجة فلسطينية تؤهله لتبادل عبارات المزاح وتجاذب أطراف الحديث مع الأطفال الذين فقدوا أطرافهم. يطمئنهم ويسألهم عن أحلامهم ومستقبلهم. يهدئ من روع طفلة تبكي بعد تعرضها لإصابة خطرة، ويحكي لها ليخفف عنها حرقة الألم عن طفلته التي أسماها “جنّة”.

يقول ستيف “أنا من الولايات المتحدة وأقيم حاليًا في الضفة الغربية كمواطن فلسطيني، وأعيش تحت القيود ذاتها التي يعانيها أي فلسطيني.” حصل على الجنسية الفلسطينية تقديرًا لجهوده مع أطفال فلسطين وتكريسه نفسه للوقوف إلى جانب المصابين والمرضى وأصحاب الهمم منهم.

نجح ستيف على مدى سنوات بتسهيل وصول أكثر من 70 من الفرق الطبية والتطوعية التي ضمت 5000 طبيب وخبير رعاية صحية من مختلف أنحاء العالم إلى فلسطين للمشاركة انطلاقًا من إيمانهم بالواجب الإنساني لمساعدة الأطباء الفلسطينيين والكوادر الطبية في مدنها على إنجاز عمليات جراحية حرجة وتدخلات طبية طارئة أنقذت حياة الكثيرين وعالجت أكثر من 25 ألف حالة.

واستطاع من خلال “جمعية إغاثة أطفال فلسطين” تأسيس شبكة علاقات مستدامة مع آلاف المتطوعين في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ومختلف أنحاء العالم لاستقبال الأطفال من المصابين والمرضى، وتوفير العلاج لهم خارج فلسطين؛ ومنهم أطفال يعانون مشاكل صحية دقيقة مثل التشوهات القلبية الخلقية.

كما كان ستيف سببًا في تغيير حياة أكثر من 2000 طفل من أصحاب الهمم نحو الأفضل بتوفير أطراف اصطناعية متقدمة لهم وإيفاد من يعانون من حالات صعبة إلى مستشفيات ومؤسسات طبية في الولايات المتحدة الأمريكية ساهم فيها متطوعون هناك بعلاج الأطفال الفلسطينيين.

عقب وفاة زوجته الفلسطينية هدى المصري بعد صراع مع السرطان، قرر ستيف تخليد ذكراها بتأسيس مستشفى يحمل اسمها ويقدم العلاج للمصابين بنفس المرض الذي أودى بحياتها، حتى يحظوا بفرص علاج أفضل بالاستفادة من أحدث ما توصلت إليه العلوم الطبية في مجال علاج السرطان. وأقام للمستشفى فروعًا في الضفة الغربية وغزة توفر كل عام العلاج مجانًا لأكثر من 1200 من الأطفال المصابين بالمرض.

يقول ستيف أنه يرى كل طفل كأنه أحد أبنائه متسائلًا: كيف سيكون شعوري إن مرض أحد أبنائي؟” ويعتبر أن عيشك حياتك لنفسك فقط سيجعلك تشعر بالفراغ وانعدام الهدف، ويحرمك من تحقيق الرسالة الأسمى لأي حياة وهي غرس الأمل لدى الآخرين.

أحمد الفلاسي.. عون المرضى

أحمد الفلاسي، إماراتي عاين الألم عن كثب أثناء رعايته والدته في مرضها الأخير، فلم يدر وجهه عنه، بل حدّق فيه ملء عينيه وفكر كيف يهزمه ويزيح ظلامه عن وجه أمه ومن يعانون مثلها من الفشل الكلوي. شاهد معاناتها بصمت مع غسيل الكلى الذي يستمر لساعات، فيمضّ القلب وينهك البدن رويدًا رويدًا ويرسم شحوبًا ودمعًا يتجمع في العين ولا ينهمر. رافق أمه في مرضها، يشد على يدها، ويطيّب خاطرها، ويسامرها أثناء ساعات الغسل الطوال إلى أن فارقت الحياة.

تلك التجربة تركت أعظم الأثر في نفسه. فخلال بحث عن أحدث المعلومات الطبية حول المرض، عرف أن بعض مرضى القصور الكلوي في المجتمعات الفقيرة ينتظرون الأيام والأسابيع حتى يحين دورهم في غسيل الكلى، وذلك ضمن شروط قد لا تكون صحية أبدًا في العدد القليل من المنشآت الصحية البسيطة المتاحة في متناولهم في المناطق النائية. وعرف أن المحظوظ هناك من يحوز على مكان في مراكز غسيل الكلى، حتى لو اضطر إلى تقاسمه مع آخرين يتبادلون فيه الأدوار، بدلًا من حقن الكورتيزون التي تصبح في المراحل المتقدمة من القصور الكلوي تؤلم أكثر مما تسكّن، فتثقل الكاهل وتمتص نسغ الروح. ذلك كان الحافز له ليعمل على تقديم المساعدة لهؤلاء والعمل على تغيير حياتهم.

البداية كانت مع مركز لغسيل الكلى في مستشفى مدينة مومباسا في كينيا، زاره فوجده في حالة يرثى لها قديمًا متهالكًا يحتاج إلى كل شيء. فقرر الانطلاق من هناك. وبدأ يؤمّن للمستشفى احتياجاته وتجهيزاته الطبية حتى أصبح يمتلك أحد أفضل المراكز وأكثرها تقدمًا على مستوى كينيا. وصار قسم غسيل الكلى الذي بناه أحمد وجهزه بالمعدات الطبية المتطورة يخدم 8000 مريض.

وأصبح وزوجته وابنته شيخة، التي استلهمت مسيرة والدها في مساعدة المرضى والمساهمة في العمل الخيري، ينذرون أوقاتهم وجهدهم ومالهم لمساعدة المرضى ومواساتهم وتجديد جذوة الأمل في نفوسهم واستعادة ثقتهم بالأخوة الإنسانية التي تجمعها قيم العطاء والتعاون والتكافل.

وإضافة إلى وحدة غسيل الكلى التي أحدث أحمد تحولًا جذريًا فيها فصار المرضى يقصدونها من كل مكان في مومباسا، وسّع دعمه للمستشفى ليشمل وحدات الأطفال حديثي الولادة وقدم لها 30 جهازًا متطورًا لرعاية الأطفال حديثي الولادة وقياس مؤشراتهم الحيوية وتزويدهم بالأكسجين والحقن الوريدية والأمصال المغذية. ووفّر كراسي جلسات العلاج الكيماوي لوحدة علاج مرضى السرطان. كما وفر 570 سريرًا وحاضنة للرضع، يستفيد منها شهريًا أكثر من 17000 مريض وطفل.

وموّل أحمد حفر الآبار لإجراء الماء للمستشفى والمجتمع المحيط به من أجل تسهيل حياة الناس وتخفيف مشقة حمل الماء من مناطق بعيدة عنهم، وري المنطقة المحيطة، وحماية مصادر المياه الأرضية من التلوث الناجم عن اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي التي قد تتسرب إليها بسبب ضعف البنية التحتية القديمة، وأقام التمديدات الصحية لجرها إلى الشبكة المركزية.

أحمد الفلاسي وأسرته عايشوا معاناة السكان وأوجاع المرضى، فأحسوا بما يحسون به وقاسموهم همومهم، لكنهم لم يكتفوا بالتعاطف والتضامن، بل أخذوا زمام المبادرة وانطلقوا يعملون ما بوسعهم لتحسين حياتهم اليومية وصناعة تغيير إيجابي في حياة عشرات الآلاف.

يقول أحمد إن أفضل العمل الإنساني هو الذي يحدث أثرًا مستدامًا ويغرس بذرة الأمل والخير في المجتمعات ويحفز أفرادها على المساهمة؛ كلٌ من موقعه في الارتقاء بجودة حياة الإنسان في كل مكان، ويرى في دعم المبادرات الصحية مدخلًا إلى التنمية المستدامة التي جعلت الأمم المتحدة من الارتقاء بمستوى الرعاية الصحية هدفًا من أهدافها الـ17 للعالم في 2030.

محمد جمعة بزيك.. رفيق المتروكين

تساءل، حين رأى أطفالًا مرضى بحالات طبية مستعصية متروكين لمصيرهم بعد أن أسلمهم أهلهم للمجهول، كيف يدع الإنسان فلذة كبده؟ وقرر كما يفعل منذ عقود أن يفتح لهم بيته ليرعاهم كأب وطبيب وممرض.

محمد جمعة بزيك، المهندس الليبي المقيم في مدينة لوس أنجلوس في الولايات المتحدة الأمريكية، احتضن في منزله على مدى أكثر من ربع قرن أكثر من 80 طفلًا تم التخلي عنهم بعد اليأس من علاجهم وحالاتهم الطبية العضال. فأصبح الإعلام في الولايات المتحدة يلقبه “أبو الأطفال الميؤوس من حالتهم الطبية” بعد أن كرّس جلّ حياته لرعايتهم.

عمله معهم بدأ مع زوجته التي كانت متخصصة في حضانة الأطفال الذين يعانون الأمراض المزمنة والمستعصية حيث عملا معًا على رعاية هؤلاء، ولم تثنهما وفاة ابن لهما في السادسة من عمره عن مواصلة مهمتهما الإنسانية، حتى وافت المنية زوجته عام 2015، فقرر الاستمرار وفاءً لذكراها وذكرى ابنه المتوفى.

كلما احتضن طفلًا اعتبره ابنًا أو بنتًا له وتمسك معه ولأجله بأمل بقائه على قيد الحياة أطول فترة ممكنة. وبدل أن يكتفي بذرف الدموع على مصير هؤلاء، يعمل بصمت على مهمته الإنسانية المضنية جسديًا ونفسيًا.

وهو يرعى منذ أكثر من ثمانية أعوام طفلة لا تسمع ولا ترى ولا تمشي وتعاني من مشاكل في النمو. قدّر لها الأطباء ألا تعيش سوى شهرين لا أكثر، لكنها ما زالت حتى اليوم حية ترزق في كنفه. ينظم لها مواعيد أدويتها الـ12 ويعطيها إياها في المواعيد المحددة على مدار اليوم، يحملها ويمشي بها يوميًا ويحرك لها أطرافها ليجري الدم فيها.

أحد الأطفال ممن قام على رعايتهم دخل المستشفى 176 مرة، ولم يكن يستطيع الأكل والشرب سوى بالمغذيات والأمصال، لكنه لم يستسلم وواصل العمل على خدمته. ورغم كل الرعاية والحرص والجهد الذي يخصصه محمد للأطفال المتروكين، تخطف المنية بعضهم، فيحزن لفقدانهم ويتأثر، لكن ذلك لا يزيده إلّا إصرارا على مواصلة مهمته الإنسانية.

عمل محمد مع هؤلاء الأطفال هو عمل بدوام كامل، يستمر على مدار الأسبوع وطوال أيام السنة، دون عطلة أو إجازة، حتى لا يغفل عن موعد إعطاء دواء أو حقنة أو جلسة علاج أو تغذية.

إصابته بسرطان القولون عام 2016 وخضوعه للعمل الجراحي لاستئصاله زاده إصرارًا على مواصلة مشواره الإنساني مع الأطفال. قال في نفسه كيف لا يطيّب خاطر الأطفال المتعبين بلا أمل، وهو الرجل الستيني الذي خاف قبل العملية الجراحية وشعر بالضعف والوهن والحاجة إلى من يسانده ويقف معه خاصة بعد وفاة زوجته؟

واليوم يحظى خمسة من الأطفال الذين رعاهم محمد بعائلات حاضنة تبنّتهم وقامت على شؤونهم وطبابتهم وتعليمهم حتى أصبح بعضهم من خريجي الجامعات. وهو ما يفرح بالحديث عنهم أيما فرح كلما سئل عن أسباب قيامه بمهمته الإنسانية تلك.

يقول محمد بزيك الذي يصنع الأمل لمن فقدوه من الأطفال المرضى، إن الرحمة وجدت في قلوب البشر قيمة إنسانية أصيلة منذ الطفولة، فمن وظفها لمساعدة الناس ومد يد العون والعمل الخيري والاجتماعي الهادف، كانت له سعادة ما بعدها سعادة، لأننا نؤكد إنسانيتنا بالعطاء الذي نقدمه لمن حولنا.

عن صناع الأمل

تعد “صنّاع الأمل” المندرجة تحت مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية أكبر مبادرة من نوعها في العالم العربي تهدف إلى تكريم أصحاب العطاء، جنود الإنسانية المجهولين، الذين يسعون من خلال مبادراتهم ومشاريعهم الإنسانية والمجتمعية التطوعية، التي يقومون بها دون مقابل، للتخفيف من معاناة المحتاجين ومساعدة المحرومين، وترسيخ ثقافة الأمل، وتكريس قيم العطاء والتفاؤل، ومحاربة اليأس، ونشر الإيجابية، والعمل من أجل تحسين جودة الحياة والارتقاء بواقع الحال في أوطانهم ومجتمعاتهم.

وتكرّم “صناع الأمل” الأفراد والفرق والمؤسسات غير الربحية الذين لديهم مبادرات أو برامج تعليمية أو صحية أو بيئية أو خدمية أو تنموية أو تثقيفية، موجّهة إلى فئة أو شريحة مجتمعية بعينها، بهدف إحداث فرق إيجابي في حياتها والمساهمة في بناء واقع أفضل لها، الأمر الذي ينعكس على استقرار المجتمع وتعزيز أواصر التعاضد والتكافل الإنساني والمجتمعي ككل.

 

التعليقات مغلقة.