استشاري نفسي: الخوف الطبيعي من كورونا مبرر وهكذا نحوله إلى “إيجابي”

مدة القراءة: 10 دقائق

  • القلق غير المبرر والمستمر حالة مرضية تستدعي علاجًا نفسيًا
  • الخوف المرضي له أسباب متعددة أهمها “الوراثي”
  • الخوف المرضي يحتاج إلى علاج سلوكي وربما دوائي
  • الإعلام ووسائل التواصل ساهمت في زيادة قلق الناس
  • البشرية مرت بظروف أسوأ من كورونا ونهاية الفيروس قريبة
  • علينا التحوّط وممارسة حياتنا بشكل طبيعي قدر الممكن
  • التصورات السلبية تجعلنا في قلق مستمر وينبغي مواجهتها
  • اللامبالاة وعدم الالتزام بالتعليمات الطبية هروب إلى الأمام
  • المناعة لا تفيد المرضى النفسيين والأمراض النفسية تضعفها
  • تعديل السلوك مهم كي لا يتحوّل هاجس النظافة لوسواس قهري
  • ممارسة الهوايات خلال الحجر المنزلي مهم لتعزيز الصحة
  • رسالتي للجميع طمئنوا الناس وتحروا الدقة في كل ما ينشر

 

حوار: سلمان المعيوف

يترقب المجهول؛ لا يدري ماذا خبأ له القدر؛ ذاته متشظية؛ يشعر بالتيه نتيجة ضجيج الأصوات في داخله؛ يبحث عنها في كل مكان ولا يجدها، وهذا ما يفزعه أكثر.. يشعر بالهيجان؛ يتخبط في خطواته؛ قلبه ممزق؛ تحتبس في داخله الآلام والمحن، وعقله مبعثر، تغزوه الوساوس والهواجس، فلقد همت به الأفكار السلبية وهم بها، ولم يرَ برهانًا يخلصه ويصرف عنه هذا السوء.

عيونه شاردة، أضحت حياته صحراء قاحلة لا يُبصر لها أي معنىً؛ غريبٌ في دنياه، يحن إلى حياته الماضية، ويتوجس من حياته الباقية.. قَلِقٌ مُضطرب، يتسلل إليه خلسة شعور بالفرح والأمل، لكنه لا يلبث إلا ويعاود لحزنه العميق، ويركن إلى السكينة برهة، لكن سرعان ما يفزع وكأنه يريد الخلاص منها؛ وإن كان يزعم أنه يطلبها ويتمناها.

أيتها الروح المعذبة المتعبة لا تقلقي ولا تفزعي.. هذه الأرض ستنزع عنها سرابيل القطران، وستتسربل بما نسجته من خيوط تبعث على الراحة والاطمئنان، وهذه الغيمة السوداء ستمر، ولن تمطرنا بمزيدٍ من الرعب والمحن، وسينجلي هذا الليل المظلم بغياهبه، وسيتنفس الصبح بعده بتبلجه، وستهدأ القلوب المفزوعة بعد طول اضطرابها، وستبتسم الثغور المقهورة بعد لقاء أحبابها، ولن تذرف العيون بعدها دموع الحسرة والألم، وسترجع الحياة أفضل مما كانت، وبهذا سيسدل الستار عن هذه الفترة العصيبة، وستتعلم البشرية منها العديد من الدروس والعبر.

وفي ظل تفشي جائحة كورونا المستجد (كوفيد-19) وما سببته أو قد تسببه من آثار وتداعيات على الصحة النفسية للإنسان؛ لابد من عمل لقاء مع أحد المختصين في هذا المجال، فكان لنا هذا الحوار مع استشاري الأمراض النفسية بمستشفى الأمير سعود بن جلوي بالأحساء الدكتور عقيل بن شرف الشخص، الذي وجهنا له مجموعة من التساؤلات حول الخوف المرضي وأسبابه وعلاجه، وعلاقة جهاز المناعة بالأمراض النفسية، ومتى يصل الخوف من كورونا إلى مرض، وكيفية الحد من الآثار النفسية للحجر الصحي وغيرها.. فإلى الحوار:

 

الخوف المرضي والطبيعي

* ما هو الخوف المرضي؟ وما هو الحد الفاصل بينه وبين الخوف الطبيعي؟ وكيف يتحول الخوف والقلق والهلع إلى مرض نفسي؟

– الخوف المرضي ببساطة هو الخوف غير المبرر الذي لا يتناسب مع الفكرة أو المادة أو الشيء الذي يشعرنا بالخوف أو الذعر، وكمصطلح يسمى بالرهاب أو الفوبيا أو الخوف المرضي، فمثلًا الخوف من الحيوانات المفترسة كالأسد والأفعى هو خوف مبرر، ولكن الخوف من الحشرات كالصرصور والوزغ أو من الأماكن المرتفعة أو الخوف من الأماكن المغلقة أو الخوف من الأماكن المفتوحة هي كلها خوف مرضي غير مبرر.. ومن هنا نقول: إن الحد الفاصل بين الخوف الطبيعي والخوف المرضي هو في كون الأخير لا يتناسب مع حجم المسألة وواقعها.

* كيف يتحوّل الخوف والقلق والهلع إلى مرض نفسي؟

– القلق والهلع غير المبرر هو في الأساس مرض نفسي، ولذا من غير الصحيح أن نتساءل كيف يتحوّل لمرض نفسي؟ نعم القلق في أوقات معينة يكون شيئًا طبيعيًا، فمثلًا لو كان لدى الإنسان اختبار غدًا أو بعد الغد، فإنه من الطبيعي أن يكون عنده نوع من القلق الذي يتناسب مع هذه الحالة، وتجعله يبذل جهده ويهتم بمذاكرة دروسه، فهذا الخوف هو طبيعي بل ومحمود أيضًا، وهو ما يتعرّض له الإنسان في بعض فترات حياته كفترة الامتحانات، أو اتخاذ بعض القرارات المصيرية التي تتعلق به، فإذا كان محدودًا، وفي أوقات معينة، ويخص أمور مبررة، فهذا الخوف يكون في الحد الطبيعي.

من هنا نستطيع القول إن القلق والهلع يتحول –إن جاز التعبير- إلى مرض نفسي عندما يكون مستمرًا وبشكل دائم، ولذا عُرف اضطراب القلق النفسي بأنه الإحساس بالقلق والخوف الدائم على مدار اليوم. ونجد من يعاني منه تكون لديه الأفكار السلبية مستمرة ودائمة، فهو دائمًا يتوقع ويفترض الأسوأ، فنظرته سوداوية في كل شيء يتعلق بشؤون الحياة المختلفة، فنجده قلقًا في العمل والوظيفة، وفي العائلة، وقلقًا في النظرة للماضي أو الحاضر أو المستقبل، فعندما نجد أن القلق لدى الإنسان دائم بهذه الصورة ومستمر ولا ينتهي بانتهاء الموضوع المقلق، فإن هذا القلق هو بالتأكيد حالة مرضية وتستدعي العرض على طبيب نفسي.

* ما هي أبرز أسباب الخوف (المرضي) لدى الإنسان؟

– هناك أسباب كثيرة للفوبيا أو للخوف المرضي، فهناك أسباب جينية وراثية، وهناك أسباب بيئية ومجتمعية وتربوية، وعادةً ما يصطلح عليها علميًا وطبيًا بأنها متعددة الأسباب، وليس لها سبب واحد، ولكن قد يكون السبب الوراثي هو الأثقل وزنًا والأهم في أغلب أنواع الخوف المرضي.

* لماذا الخوف والهلع من فيروس كورونا المستجد؟ هل تراه مبررًا أم لا؟ أو متى يكون مبررًا ومتى يكون غير مبرر؟ ما هو حدوده الطبيعية؟ وكيف ومتى نعرف أنه خرج عن الحدود الطبيعية؟

– الخوف من فيروس كورونا المستجد مبرر إذا كان في حدوده الطبيعية، فهذا مرض والإنسان بشكل عام يتخوّف من الأمراض ويحاول الابتعاد عنها، ولكن يجب أن يكون الخوف -كما قلنا سابقًا- في إطار محدد وفي ظروفه الطبيعية، بلا إفراط ولا تفريط، كما ينبغي أن ننظر لهذا الخوف أيضًا من جانب إيجابي، حيث إنه لولا خوفنا من المرض لما كنا حريصين على اتباع سبل الوقاية كغسل الأيدي، وعدم لمس الوجه، والالتزام بالحجر المنزلي، والابتعاد عن الأماكن المزدحمة وغيرها من الإرشادات الطبية؛ فهذا الخوف إيجابي لأنه مدعاة للحذر والحرص أكثر.

نعم، قد يتحوّل هذا الخوف إلى حالة مرضية لما يكون جل حياتنا واهتمامنا بهذا المرض، فيكون هو محور حياتنا وكلامنا وتفكيرنا طيلة الليل والنهار، فهذا من شأنه أن يدخل الإنسان في حالة أشبه بالوسواس والخوف المرضي، فمن المهم أن نأخذ احتياطاتنا، ولكن ينبغي أيضًا أن نمارس حياتنا بشكل طبيعي قدر الممكن والمستطاع في هذه الفترة.

* كيف يُعالج الخوف المرضي؟ وما هي أنواع العلاجات وطرقها وأساليبها؟ حبذا لو تحدثنا عن هذا الجانب..

– بشكل عام يتم علاج الفوبيا والرهاب أو الخوف المرضي بنوعين من العلاج؛ الأول: العلاج السلوكي، وكثيرًا ما يبدأ به ويكتفى إذا حصلت نتائج إيجابية. الثاني: العلاج الدوائي في بعض الحالات، فالعلاج يتمحور بين هذين العلاجين. وأنواع العلاج وطرقه وأساليبه تقيم بحسب كل حالة منفصلة لوحدها، فكل حالة تستدعي تقييمًا خاصًا بها، ولكن في الغالب يتم البدء في العلاج السلوكي، وإذا لم نتوصل إلى نتيجة، فمن الممكن اللجوء للعلاج الدوائي.

 

رسالة طمأنة

* يقال في الأثر: “الناس أعداء ما جهلوا”. من هنا يطرح سؤال: هل التصورات غير الواقعية للفيروس لها علاقة وأثر بمشاعر الخوف والهلع؟

– سؤال جميل ومتشعب، فبالفعل إن الناس أعداء ما جهلوا، وهذا ينطبق أيضًا حتى في النواحي الطبية، فالعديد من علماء الطب وعلماء الميكروبيولوجي (علم الأحياء الدقيقة) إلى الآن يجهلون الكثير عن هذا المرض، وتجد اختلافاتهم في العديد من الأمور حوله كفترة الحضانة، طرق العدوى هل هو فقط بالرذاذ أو حتى عن طريق الهواء، ساعات بقائه فوق الأسطح والمواد المختلفة كالخشب والحديد، فهناك الكثير من التساؤلات غير المحسومة فيما يخص المرض حتى بين العلماء أنفسهم؛ لأنها تحتاج إلى مزيد من الوقت للدراسة.

لذا فإن الخوف لدى الناس مبرر بشكل عام ما لم يخرج عن الحدود الطبيعية بالكيفية التي أشرنا إليها سابقًا، فهناك العديد من التساؤلات غير المحسومة طبيًا، وهي بحاجة إلى إجابات حاسمة حولها، كاستخدام الكمامات، والقفاز، وهل هي تقي من الإصابة بالكامل أم لا؟ نعم، هناك إجماع وثبات نوعًا ما فيما يخص فيروس كورونا وتفشيه، وكيفية الوقاية منه من خلال غسيل الأيدي بشكل متكرر، والحفاظ على النظافة الشخصية، وعدم لمس الوجه باليدين، والالتزام بالحجر المنزلي، والتغذية الجيدة التي تزيد المناعة، وممارسة النشاط الرياض، فهذه أمور ثابتة بحسب الدراسات ولا ينبغي إغفالها أو التشكيك بها.

وفي اعتقادي؛ إن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في ذلك أيضًا، حيث إنها سلطت الضوء على المرض بكل السبل والوسائل، فحديث الناس صار يتمحور حول هذا الفيروس، وعدد الوفيات بسببه، وعدد الإصابات إلخ.. وهذا ما جعل الناس قلقة أكثر، ولذا يجب أن نسهم في طمأنة الناس، فلقد مرت على البشرية أمراض مستعصية وفي ظروف أسوأ من هذه؛ لأن الطب حينها لم يكن متطورًا لا يملك الأجهزة والأدوية الموجودة الآن، ومع ذلك تمكن البشرية من تجاوزها؛ ولذا من المهم أن يعرف الناس أن هذا الفيروس ستكون له نهاية، ونهايته قريبة -إن شاء الله-.

 

مواجهة التصورات السلبية

* ما هي أبرز التصورات غير الواقعية أو السلبية الموجودة في أذهان الناس التي تسبب لهم مشاعر الخوف والهلع برأيك؟

– هناك العديد من التصورات السلبية غير الواقعية التي تسهم في زيادة القلق والذعر لدى الناس، فنلاحظ أن البعض بمجرد أن يتعرّض لأي وعكة صحية ولو بسيطة كحة أو زكام يتصور مباشرة أنه أصيب بفيروس كورونا المستجد، أو نجد البعض بمجرد أن يسمع بإصابة شخص في منطقة معينة يتصور أنه سوف يصاب لا محالة، وقد تكون هذه مجرد افتراضات ليس لها مكان في العلم والمنطق، فمثل هؤلاء دائمًا يتصورون ويفترضون الأسوأ، وإلا فإن الناس تصاب سنويًا بهذه الأعراض، ولذا أعتقد أن هذه التصورات السلبية غير الواقعية قد تجعل الإنسان يعيش في قلق مستمر، وينبغي عليه أن يواجهها ويدفعها عن نفسه.

* لماذا يبدأ البعض في الاسترسال في الأسئلة الوجودية المتعلقة بآخر الزمان ونهاية البشرية.. وتسيطر على تفكيره هذه الأفكار السلبية في ظل انتشار الأوبئة كفيروس كورونا المستجد؟ وكيف يستطيع الخروج من هذا التفكير السلبي؟

– من الطبيعي أن الناس في أوقات المصائب والكوارث تفكر بطريقة غيبية وتلتصق بالغيبيات وما يدور في فلكها أكثر، خصوصًا إذا لم يستطع العلم حسم المسألة من ناحية العلاج من المرض، فتجد الكثير من الناس في هذه الفترات يبدأ بالتقرب إلى الله سبحانه أكثر، وهذا أمر جيد في الحقيقة ولا بأس به.

والمشكلة فقط هي في لجوء البعض لربط الموضوع بأمور أخرى تتعلق بنهاية الزمان وإبادة البشرية ونهاية العالم.. إلخ من الأفكار السلبية السوداوية، فهذا قطعًا تفكير غير صحيح، ويكفي لبطلانه أن البشرية مرت بأوقات أسوأ من وضع هذا الفيروس، خلال فترة الحمى الأسبانية عام 1918م، حيث حصدت من أرواح البشر بين 60 إلى 100 مليون شخص، وعدد البشر في ذلك الوقت كان لا يتجاوز مليار وثمانمائة مليون بخلاف الآن، حيث يصل العدد لما يقارب من ثمانية مليارات نسمة، ومع ذلك تعدت البشرية هذه الأزمة وتكاثرت واستمرت الحياة.

لذا أقول في مثل هذه الظروف على الإنسان دائمًا أن يكون لديه أمل ويتعلق بالله -سبحانه وتعالى-، فهو القادر على التلطف بعباده وخلقه، كما عليه أن ينظر للأمور بنظرة إيجابية، فمثلًا صحيح أن جائحة فيروس كورونا المستجد ساهمت في عزل الناس ونشر الهلع والرعب بين الناس، بل وبين الدول أيضًا، ولكن في المقابل نجد أن منسوب التلوث البيئي انخفض، فلقد انخفضت نسبة الغازات المنبعثة من المصانع، وعوادم السيارات وغيرها، ومن ثم بدأت الكائنات الحية تتنفس من جديد وتعود الحياة لوضعها الطبيعي السابق، فهذا قطعًا جانب إيجابي، ويوجد غيره الكثير أيضًا، وكل ما على الإنسان هو التركيز على الجوانب الإيجابية، والتحلي بالأمل والثقة بالله -سبحانه وتعالى- بتفريج الأمر؛ لأن هذه الأزمة طالت أو قصرت سوف تزول حتمًا.

 

المناعة والأمراض النفسية

* هل الثقة بجسم الإنسان، خصوصًا جهازه المناعي وقدرته للتصدي للمرض يمنع من الخوف المرضي؟ وكيف نبني هذه الثقة لدى الذين يعانون من الخوف المرضي؟

– الإنسان الذي يعاني من الخوف المرضي لن يغير الأمر بالنسبة له شيئًا سواء كان جهاز المناعة لديه قويًا أو لا، هذا من الناحية النفسية، وأما من الناحية الطبية فجهاز المناعة بالتأكيد له دور كبير على الوقاية أو الشفاء من هذا المرض وغيره من الأمراض، ومن ثم من الممكن أن تستخدم هذه المعلومة كدعم نفسي للتقليل من نسبة القلق، كأن تبين لهم أن مناعتك جيدة، وأنك تتمتع بالشباب ولن يصيبك ما يؤذيك وهكذا من الأمور التي تعزز وتحسن الصحة النفسية.

 * يتحدث البعض عن احتمالية تأثير الخوف في الصحة الجسدية للمريض، كأن يتسبب في انخفاض مناعته، حبذا لو تحدثنا عن هذا الجانب من الناحية العلمية (علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية)..

– هذا كلام سليم وصحيح مئة بالمئة، فالخوف المرضي أو الرهاب أو القلق النفسي بشكل عام، ممكن أن يؤدي إلى إفراز هرمونات الكرتيزول، والتي بدورها تلعب دورًا في تثبيط مناعة الإنسان، ومن ثم فإن تعزيز الحالة النفسية للناس في هذا الوقت بالذات مهم من خلال الحفاظ على هدوئهم النفسي، وأتصور أن وزارة الصحة في المملكة ملتفتة لهذا الجانب، وقامت بدور كبير في ذلك؛ لأنه في الحقيقة لا انفصال بين الصحة النفسية والجسدية، ومن المستحيل أن نعزلهما، بل حتى تعريف منظمة الصحة العالمية للصحة شمل المستوى النفسي والجسدي والروحي للإنسان.

لذا أقول إن القلق والخوف والرهاب من مرض كورونا المستجد من شأنه إذا لم يكن ضمن الحدود الطبيعية أن يفرز الهرمونات التي من شأنها تثبط مناعة الإنسان، وتزيد من احتمالية الإصابة بالمرض أو تعرضه للمرض أو تخفيض نسبة شفائه في أقل تقدير، نسأل الله السلامة للجميع.

 

خوف إيجابي

* يعتقد البعض أن من الطبيعي حصول الخوف من الإصابة بفيروس كورونا المستجد لإدراكنا بخطورته، نعم، ربما يكون ذلك غير طبيعي إذا كان الخوف من أشياء وأمور غير مخيفة في واقعها كالخوف من الصراصير والحشرات والقطط وما شابهها؟ ما تعليقك على هذا الكلام؟

– ذكرت الإجابة آنفًا، حيث أكدت أنه لا مقارنة بين الخوف من كورونا المستجد والخوف من الصراصير مثلًا، لكن هذا ليس معناه أن الخوف من كورونا كمرض لا يمكن أن يكون مرضيًا أيضًا؛ لأن الخوف المرضي بشكل عام أو الرهاب هو إما يكون خوفًا غير مبرر أو يكون خوف زيادة عن اللزوم، نعم الخوف من مرض كورونا المستجد شيء طبيعي إذا كان ضمن الحدود الطبيعية التي لا تحول بين الإنسان وبين ممارسة حياته العادية.

وهنا أود أن ألفت النظر أن الخوف من كورونا المستجد في الحدود الطبيعية تتضمن أن يقوم الإنسان بدوره وواجبه في وقاية نفسه وأسرته منه، من خلال الالتزام بالتوجيهات الصحية، كالحجر المنزلي، والنظافة الشخصية وغيرها، فهذا جزء إيجابي من الخوف، وهو الذي يدفعه للاهتمام، ولكن إذا تحوّل هذا الخوف لجعل الإنسان يهمل حياته ويشلها ويعطلها بالكامل، فهذا خوف غير مبرر، فمثلًا لا يقم بإصلاح الأنوار المتعطلة في منزله؛ لأنه يعتقد أن كورونا سوف تقتله وتقتل أفراد أسرته بأجمعهم، بل وسوف يقتل البشرية بالكامل، وأن الدنيا سوف تنتهي والناس سوف يموتون بأجمعهم أو بأغلبيهم، فهنا مشكلة لابد من علاجها؛ لأن الإنسان يجب أن يكون متفائلًا ويمارس أموره بشكل طبيعي قدر الإمكان أو لنقل شبه طبيعي؛ لأننا لا نستطيع أن نقول طبيعي بالكامل هذه الفترة.

* البعض ونتيجة للخوف من الإصابة بالفيروس بدأ باللامبالاة في التصرفات وعدم الالتزام بالتعليمات الطبية، بل بعضهم بدأ يتمنى الإصابة بالمرض ليتخلص من الخوف من انتظاره؟ حبذا لو تحدثنا عن هذه الحالة..

– سؤال جميل ودقيق، ووجدت عند بعض المرضى نفس هذه الفكرة المغلوطة، وهذا ما يسمى في علم النفس بـ”الهروب إلى الأمام”، ولذا أرجع وأقول وأكرر وأعيد أن خوف الإنسان من المرض لا يعني إصابته بالمرض، وعليه أن يستمر في حياته، وكل ما عليه هو القيام بما عليه لا النظر إلى النتائج السلبية المحتملة، فمثلًا على الإنسان أن يجتهد ويذاكر دروسه، وإن شاء الله سوف يوفق وينجح، رغم أنه قد لا ينجح لأسباب خارجة عن إرادته، ولكن عليه أن يقوم بدوره، ولذا فإن التفكير والتصرف بلامبالاة وعدم الالتزام بالتعليمات الطبية لوجود الخوف غير صحيح، بل إن تمنيه للإصابة أيضًا تصرف غير منطقي، ويدخل كما ذكرت في خانة الهروب إلى الأمام، وهذه تعبر في علم النفس من الأخطاء في التفكير.

 

اضطراب ما بعد الصدمة

* من المعروف وجود حالة تسمى بالوسواس القهري كما نجد ذلك لدى المصابين بوسواس الطهارة، حيث يكثرون من إعادة الوضوء مثلًا، وغيرها من المظاهر الأخرى.. هل من الممكن أن تتسبب بعض النصائح التوعوية الخاصة بفيروس كورونا المستجد كغسيل الأيدي للوصول إلى حالة مرضية؟ وكيف يتجنبها الإنسان مع غسل الأيدي؟ وكيف يعرف الإنسان أنه ضمن الحد الطبيعي أو بدأ في المبالغة والخروج عن الحدود الطبيعية؟

– سؤال جميل، نعم، غالبًا هناك دراسات تحدثت عن هذا الجانب، ففي الأوقات العصيبة هناك ما يسمى باضطراب ما بعد الصدمة، وهو يتشكل بأنواع مختلفة، ويمكن أن نتحدث بافتراض بقاء الإنسان على هذه الكيفية بالاستمرار في غسل الأيدي والخوف والحرص من المرض والتلوث في شقين:

الأول: يتعلق بالمرضى الذين يعانون من وسواس النظافة، وهؤلاء سيكون وضعهم للأسوأ في هذه المرحلة، وحتى لو كان وضعهم في فترة سابقة قد تحسن، فإنهم ونتيجة لوجود ما يعزز فيهم فكرة غسل الأيدي بشكل متكرر، فإنهم سيكونون أكثر عرضة للانتكاسة؛ لأنهم يعانون من المرض (الوسواس القهري) أصلًا، وأتت هذه الفترة العصيبة التي تمر بها الأمة وعززت من وجوده أكثر.

الثاني: يتعلق بالناس العاديين، فهؤلاء ونتيجة للاهتمام أكثر من الماضي بغسل الأيدي ربما يصاب جزء منهم بالوسواس القهري أيضًا. وهنا أود أن أؤكد أنه لا بأس أن يكون الاهتمام أكثر من الماضي بالنظافة الشخصية وغسل الأيدي واستعمال وسائل التعقيم؛ لأن ما بعد كورونا يختلف عما قبله، فلا نستطيع أن نقول هذا غير صحيح، بل بالعكس يجب الحرص عليه، ولكن المحك هو فيما بعد كورونا، فهنا على الإنسان أن يقلل بعدها ولا نقول يقطعه نهائيًا، إذ لا بد أن يحدث نوع من الشحذ السلوكي لتعديل السلوك؛ كي لا يتحول الأمر لمرض وسواس قهري؛ لأن هذا وارد، بل ومتوقع، فجزء من الناس سيصاب بهذا المرض.

 

تغلب على آثار الحجر المنزلي

* ربما تكون للحجر المنزلي بعض الآثار النفسية السيئة على الإنسان، وبالخصوص لدى المريض ببعض الأمراض النفسية كالاكتئاب وثنائي القطب مثلًا، كالتفكير بالأفكار السلبية والشعور بالعزلة والوحدة والضياع.. إلخ، كيف نحد من هذه الآثار النفسية السيئة خلال فترات الحجر المنزلي؟ وكيف نوظفها في اتجاه معاكس؟ حبذا لو تحدثنا بذكر بعض الأمثلة..

– الحجر المنزلي له آثار نفسية سيئة في الإنسان بشكل عام، سواءً كان إنسانًا طبيعيًا ولا يشتكي من مشاكل نفسية أو كان مريضًا، لكن وقعه على الإنسان المريض أكبر كمرضى الاكتئاب والاضطراب الوجداني ثنائي القطب، والوسواس القهري؛ لذا فإن ما ينطبق على الإنسان الطبيعي ينطبق على المريض، إذ على الكل استغلال الوقت بالأمور المحببة لديه كالقراءة والمطالعة وممارسة هوايات سابقة بل واستحداث هوايات أخرى، وكذلك ممارسة الرياضة، حتى لو كانت رياضة اليوغا، فهي مهمة لتعزيز الصحة الجسدية والنفسية.

وهذه الأمور يُنصح بها أكثر لمرضى الاكتئاب والاضطراب الوجداني ثنائي القطب، فلقد وصلتني حالات تفكر في الانتحار بسبب العزلة وزيادة الضغوط النفسية، وهؤلاء لا ينصح ببقائهم لوحدهم، بل لابد من وجود ذويهم وعائلاتهم بجانبهم لتقديم الدعم لهم والاهتمام بهم، والأمر الأهم من ذلك هو استمرار علاجهم النفسي؛ لأن أغلبهم يأخذون علاجات دوائية، وينبغي ألا يتم قطع العلاج لأي سبب كان.

* ما هي أبرز التوجيهات والنصائح الطبية لمرضى الاكتئاب وثنائي القطب أثناء الحجر المنزلي؟

– تم ذكرها ضمن إجابة السؤال السابق، ولكن لا بأس في إعادتها كنقاط أولها: الالتزام بالعلاج والمواظبة عليه مهم في هذه الفترة، حتى لو افترضنا وجود تقاعس قبل فترة كورونا فإن الالتزام بالعلاج هذه الفترة لابد أن يكون أكبر. ثانيها: إذا شعر المريض أنه غير قادر على السيطرة على أعراض الاكتئاب أو اضطراب الوجداني يجب مراجعة الطبيب فورًا. وأخيرًا ضرورة الانخراط في نشاطات رياضية وثقافية وعلمية بأي نوع من الهوايات مع أهله المتواجدين معه في البيت؛ بما يخلق الأجواء المحببة لديه، وأشدد على الرياضة بأنواعها لدورها الكبير في تحسين المزاج، وتعزيز الصحة الجسدية والنفسية.

 

شائعات ومعلومات مغلوطة

* مع ظهور أزمة فيروس كورونا المستجد.. بدأ بعض الأطباء بالاستعجال والحرص على السبق الإعلامي من خلال نشر المعلومات المتعلقة بالفيروس، متجاهلين أحيانًا دقة هذه المعلومات وصحتها أو متجاهلين طبيعة الجمهور الذي لا يمتلك الأدوات المناسبة لتحليل المعلومة الطبية، وهذا مما قد يحدث أثرًا سلبيًا في نفوسهم.. حبذا لو تتحدث عن هذه الحالة بصفتك طبيبًا نفسيًا؛ كلمة للأطباء، وكلمة لعموم الناس..

– للأسف؛ إننا وصلنا لمرحلة بدأ فيها الكل يتكلم أطباء وغير أطباء، فكثير من الشائعات والمعلومات غير الدقيقة يتناقلها الناس، وهذه أتصور رآها ولمسها الجميع من خلال الواتساب تحديدًا، فالناس بدأت تصاب بنوبات من الهلع والخوف نتيجة تناقل بعض المعلومات السلبية المغلوطة والكاذبة، ومن هنا أشدد وأطلب والتمس من الكل تحري الدقة والأمانة لما ينشر، وبالخصوص العاملين في القطاع الصحي كالأطباء والممرضين والفنيين الصحيين كصيادلة، والعاملين في المختبر وغيرهم، فنشر بعض الأمور السلبية حتى لو كانت صحيحة قد يترتب عليه آثار سلبية نتيجة لإثارته للرعب والخوف في قلوب الناس؛ لذا على الإنسان في هذه الفترة أن يكون أكثر ذكاءً وأكثر حنكة في التصرف مع الموقف، ويحاول دائمًا أن يتجه لطمأنة الناس وتهدئتهم؛ لأن الناس تعيش الخوف والرعب وليسوا محتاجين لزيادته.

نعم، يمكن لهؤلاء أن يعملوا توازنًا معينًا بأن يتناقلوا الأمور الموثقة والإيجابية التي تطمئن الناس وتهدئهم، فهذه هي رسالتي للجميع سوءًا كانوا أطباء أو غير أطباء، بل هذه مسؤولية، الجميع من المنتمين للقطاع الصحي غيرهم، ونحن جميعًا بتعاوننا نتكامل ونتسامى، ونسأل الله أن يزيل هذه الغمة عن هذه الأمة بل عن البشرية جمعاء.

*****

الدكتور عقيل شرف حسين الشخص في سطور

بكالوريوس طب وجراحة من جامعة الملك سعود بالرياض 1998م.

شهادة الاختصاص في الطب النفسي (البورد السعودي في الطب النفسي) 2006.

العمل الحالي:

استشاري الأمراض النفسية بمستشفى الأمير سعود بن جلوي.

رئيس وحدة الطب النفسي.

عضو الجمعية السعودية في الطب النفسي.

المهام الإدارية:

نائب المدير الطبي بمستشفى الأمير سعود بن جلوي 2015-2017.

الدورات والمحاضرات:

محاضر مستمر في برنامج الطب الوقائي منذ 2018 حتى الآن.

محاضر في العديد من المحاضرات والنشاطات العلمية في مديرية الشؤون الصحية بالأحساء.

 

 

التعليقات مغلقة.