استشاري أوبئة: الالتزام بالاحترازات يمكنه خفض إصابات كورونا خلال أسابيع

مدة القراءة: 6 دقائق

  • علم الأوبئة يحقّق مبدأ تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض
  • المنحنى الوبائي أداة للمراقبة الوبائية وتسطيحه يقلل الإصابات
  • استراتيجية مناعة القطيع يصعب تطبيقها الآن
  • المنحنى الوبائي لفيروس كورونا في مرحلة نمو مستقرة
  • تصعب المقارنة بين جائحتي 1918 وكورونا لتطور الأنظمة الصحية
  • الإحصاء الحيوي يمكنه التنبؤ والاستقراء حول صحة المجتمع والأمراض
  • تحديد عدد معين للتجمعات العامة “توضيحي” والأفضل تجنبها
  • أتوقع اهتمامًا أكبر بالطب الوقائي والأهم عدم فصله عن التخصصات السريرية

 

حوار: سلمان المعيوف

ليس من عادته أن يأتي للناس بياتًا وهم نائمون، بل من عادته أن يأتيهم ضحىً وهم يلعبون، ذلك من أنباء جائحة كورنا المستجد (كوفيد-19) التي غزت العالم، وشنت حربها على الجميع دون هوادة! هذه الحرب النادرة التي ليس لها نظير؛ فالعالم كله غدا في جبهة واحدة ضد عدو واحد، وما زال هذا العدو قادرًا على الزحف والتمدّد بوتيرة متسارعة حتى اليوم.

أضحى الجميع يشعر أنه تحت رحمة من لا يرحم، فقد قُذفت القلوب بالرعب، وفاضت المشاعر بالألم والحسرة، ولا طوق للنجاة يمكن أن يعصم من يأوي إليه؛ من أمواج هذا البحر اللجي ورياحه العاتية.. هذا الفيروس على صغر حجمه وضآلة شأنه كسر الغرور الإنساني فيما يسمى بالدول المتقدمة، إذ كشف عيوبها وأظهر سوءاتها، وأدخلها مرغمة في أيام نحسات، وأمست أنظمتها الصحية هشيمًا تذروه رياح كورونا المستجد، وجنوده التي لم يروها.

ولكي نتعرف أكثر عن هذا العدو الغامض وخصائصه، في ظل تفشي وبائه وتزايد أعداد ضحاياه في مختلف دول العالم، كان من المهم لنا أن نجري هذا اللقاء مع أحد المتخصصين في الطب الوبائي، وهو الدكتور محمد بن عبدالرحمن الجمعان استشاري علم الوبائيات بمستشفى الملك عبدالعزيز للحرس الوطني في الأحساء؛ ليحدثنا عن كيفية انتشاره واستراتيجيات الحد منه، والآليات المتبعة في التقصي الوبائي، وغيرها من الأمور المرتبطة بهذا الشأن.. فكان بيننا وبينه الحوار التالي:

 

دور علم الوبائيات

* بدايةً؛ ما هو تخصص طب الوبائيات؟ ماذا يدرس بالضبط؟ وماذا يستطيع أن يقدمه بشأن فيروس كورونا المستجد؟

– علم الوبائيات هو علم يعنى بدراسة طبيعة الأمراض والأحداث الصحية المجتمعية، وتحليل توزيعها وطرازها، وتحديد العوامل والأسباب ذات الصلة بها، وهو علم مرتبط بالبحوث العلمية الوصفية والتحليلية وكذلك التجريبية. وعندما نتحدث عن جائحة كورونا الحالية، فعلم الوبائيات يلعب دورًا أساسيًا في اكتشاف الأمراض الناشئة (الحديثة)، وتحليل مدى انتشارها وتوزيعها وطبيعتها ومواصفاتها، إضافة إلى تحديد الأسباب والعوامل ذات الصلة، وإيجاد التعريف المناسب للحالة المؤكدة والمشتبهة، وكذلك التحكم والمتابعة من خلال الاستقصاء الوبائي، كما لا ننسى الدور البارز في السيطرة والوقاية من خلال المشاركة في تطبيق الإجراءات الاحترازية التي تتناسب مع طبيعة المرض وقياس مدى كفاءتها وتأثيرها.

* كيف أبرزت أزمة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) أهمية هذا التخصص (الطب الوبائي)؟ وما دوره في تحقيق الأمن الصحي؟

– بالتأكيد يبرز دور هذا العلم عند حدوث حالات التفشي والأوبئة المتنوعة، فما بالكم بجائحة (كوفيد-19) التي انتشرت في أكثر من 200 دولة حول العالم وتسببت في خسائر بشرية واقتصادية هائلة. ويبرز دور هذا العلم في تقدير الحالة الصحية للمجتمعات، وقياس ونشر الوعي المجتمعي والسلوك الصحي من أجل تحقيق مبدأ تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض، وذلك من خلال قياس المؤشرات العلمية المتعلقة بالصحة، والاستقصاء الوبائي ونظام المراقبة الصحي والبحوث العلمية.

 

نسب الإصابة والمنحنى الوبائي

* ما هي النسب المئوية لدرجات الإصابة الموجودة حاليًا عالميًا؟ كم نسبة الإصابات الشديدة، الخفيفة، الحرجة؟

– عدد الحالات المؤكدة المسجلة على مستوى العالم حوالي مليون ونصف موزعة على 209 دولة، وأغلب الحالات (تقريبًا 80-85%) تظهر عليها أعراض خفيفة إلى متوسطة وتتماثل للشفاء، بينما 15 – 20% تتطور الأعراض إلى شديدة، وقد تؤدي إلى الوفاة عند 5-6% من العدد الكلي، وأغلب الأشخاص ذوي الأعراض الشديدة والمعرضين للوفاة هم من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة وضعيفي المناعة.

* ما هو المراد بالمنحنى الوبائي للمرض؟ حبذا لو تعرفنا بنبذة مختصرة عنه..

– المنحنى الوبائي هو رسم بياني إحصائي يلخص عدد الحالات المصابة خلال وقت زمني معين في مكان محدد. ويستخدم عادة في المراقبة الوبائية، وذلك لوصف مدى انتشار الأمراض، واكتشاف حالات التفشي مبكرًا، وقياس مدى حجمها ونوعها وطبيعتها؛ ليسهل متابعتها والسيطرة عليها والتحكم فيها، وهي عملية مستمرة قبل وأثناء وبعد حالات التفشي والأوبئة.

* ما المراد باستراتيجية تسطيح المنحى الوبائي الذي تعمل عليها العديد من الدول حاليًا بما فيهم المملكة العربية السعودية؟

تسطيح المنحنى الوبائي هو مفهوم علمي يهدف إلى التحكم والسيطرة على الأوبئة والسعي إلى تقليل عدد المصابين؛ بما يتناسب مع قدرة النظام الصحي، وذلك لتفادي انهيار المنشآت الصحية عندما تصبح غير قادرة على استيعاب الحالات المصابة، وضمان تقديم الخدمة الصحية بالشكل المطلوب، ويتم ذلك من خلال تطبيق الإجراءات الاحترازية التي تضمن تحقيق هذا الهدف. (انظر الشكل)

 

 

* ما هي النسب العلمية المقدرة في حال الالتزام بتسطيح المنحنى؟ كم نسبة الإصابة؟ كم النسبة المقدرة للشفاء؟ كم النسبة المقدرة للوفاة؟

– من الصعب تقدير النسب العلمية في حال الالتزام بتسطيح المنحنى؛ لأن هذا يعتمد على عدة عوامل كما يلي: (1) مدى انتشار المرض. (2) مدى شراسة المرض ومعدل الوفاة. (3) قدرة النظام الصحي ومدى استيعاب الحالات. (4) توفر اللقاح والعلاج للمرض المتفشي. (5) نوع الإجراءات الاحترازية التي يتم تطبيقها. (6) عوامل أخرى مجتمعية وبيئية.

* بحسب المنحنى الوبائي.. نحن في أي مرحلة من مراحل الفيروس؟ هل وصلنا للقمة أو ما زلنا في مرحلة النمو؟

– مازال المنحنى الوبائي في مرحلة النمو، والتي تعتبر مستقرة جزئيًا بفضل الله ثم بفضل تطبيق الإجراءات الاحترازية، التي تم العمل بها على كل المستويات والأصعدة في المملكة العربية السعودية، وفي حال التزام الجميع بهذه الإجراءات، وتطبيقها كما هو مأمول، ورفع شعار “كلنا مسؤول”، فإن هذا سيسهم في استقرار المنحنى الوبائي، والذي ستتبعه مرحلة الانخفاض إلى مستوى متدني -بإذن الله- خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة.

 

جوائح فيروسية

* هل سبق لفيروس آخر أن حدث له هذه السرعة في الانتشار الذي شاهدناها مع فيروس كورونا المستجد؟

– خلال العشرين سنة الماضية، حدث وباء سارس في 2002، وكذلك وباء كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية في 2012. وكلاهما من عائلة الفيروسات التاجية “كورونا”، ولكنهما كانا أقل انتشارًا وأشد شراسة من الوباء الحالي. كذلك من الأوبئة التي تميزت بسرعة الانتشار وشدة الشراسة هو وباء الأنفلونزا الاسبانيولية في عام 1918م، والتي أصابت نحو 500 مليون شخص وتسببت في وفاة ما بين 50 – 100 مليون شخص في مختلف دول العالم، ولكن من الصعب مقارنة تلك الجائحة بكوفيد-19، وذلك بسبب تطور الأنظمة الصحية والممارسة الطبية الحديثة في خلال المائة سنة بين الجائحتين.

* هل يمكن منع الفيروس نهائيًا أو كل ما في أيدي الدول حاليًا هو الحد من سرعة انتشاره وآثاره وتداعياته؟

– لا يمكن منع الفيروس نهائيًا، ودول العالم بلا استثناء تسعى إلى الحد من انتشاره، والتقليل من الآثار الصحية والخسائر الاقتصادية والأضرار الأخرى الناجمة من هذه الجائحة.

 

مناعة القطيع

* ما هو المراد بـ”مناعة القطيع”؟ وبصفتك متخصصًا في الوبائيات ما هو تقييمك لها على الطريقة التي أعلنها رئيس الوزراء البريطاني قبل أن يصاب بالمرض؟

– مناعة القطيع أو المناعة المجتمعية هي مفهوم علمي يهدف إلى السعي لرفع مناعة المجتمع تجاه مرض معين، من خلال اكتساب المناعة الطبيعية أو المكتسبة ضد الكائن المسبب للمرض؛ بهدف الحد من انتشار هذا المرض وخفض نسب الوفاة. وعادة ما تستخدم هذه الاستراتيجية على نطاق واسع وفي فترة استقرار المرض، خاصة عندما تتوفر اللقاحات والعلاجات الفاعلة، وبعد التأكد من قلة الآثار الجانبية المحتملة، والتي قد تتسبب في رفع نسب الوفيات. ومن الصعب تطبيق هذه الاستراتيجية في هذه الجائحة حاليًا بسبب عدة أمور: – (1) كوفيد-19 مرض ناشئ، وما زلنا نجهل الكثير عن طبيعته وماهيته. (2) عدم توفر لقاح أو علاج لكوفيد-19 حتى هذه اللحظة. (3) مازال أغلب دول العالم تشهد حالات تفشي متتابعة وتشهد تفاوت كبير في المنحنى الوبائي. (4) استجابة الدول لهذه الجائحة كذلك كان متفاوتًا من حيث تطبيق الإجراءات الاحترازية المشددة أو المتوسطة أو الخفيفة.

 

مقولة بلا مرجع علمي

* ما تسمى بالدول المتقدمة لماذا لم تثبت تقدّمها وتفوقها إلى الآن على غيرها من الدول النامية أو دول العالم الثالث كما تسمى في التصدي لهذه الجائحة؟

– من الصعب الحكم بتفوق الدول وتقدمها من خلال هذه الجائحة، وذلك بسبب اختلاف الأنظمة الصحية، وتنوع الأولويات والأهداف السياسية والاقتصادية للدول، والقدرة على اكتشاف الحالات والتعامل معها، وتفاوت معدل انتقال العدوى بين الدول، إضافة إلى العوامل البيئية والمجتمعية الأخرى. ولكن من الواضح توجه أغلب دول العالم وتهافتها نحو تطبيق الإجراءات الاحترازية بين المتوسطة والمشددة، والتي أثبتت مدى فاعليتها مقارنة بالدول التي تباطأت في اتخاذ هذا القرار.

* هناك من يقول إن 70 % – 80 % من البشر لابد وأن يصابوا بهذا الفيروس لا محالة وإن الفرق فقط هو في مدى شدة أو ضعف الإصابة؟ ما رأيك في هذا الكلام؟

– لا يوجد أي مرجع علمي يؤيد هذا القول، وأعتقد أن هذه النسبة مرتفعة.

* ما هي آليات التقصي الوبائي؟ وكيف تتم؟ وما هي أبرز الإجراءات المعمول بها؟

– تتلخص آليات التقصي الوبائي في الاكتشاف المبكر لحالات التفشي، والتأكد من التشخيص للحالات المشتبهة والمؤكدة من خلال الاتفاق على تعريف واضح لكل منهما، وتحديد الوقت والمكان المتعلق بحالات التفشي والأشخاص الأكثر عرضة للإصابة مع رسم المنحنى الوبائي، وصياغة الفرضية التي تشرح السبب المحتمل وأصل المرض.. بعد هذه الخطوات، تُكتب الخطة التفصيلية للتقصي الوبائي؛ بناء على المعلومات التي جمعت، ويجري تطبيق سبل الوقاية للسيطرة والتحكم في الوباء

 

الإحصاء الحيوي

* كيف نستفيد مما يسمى بالإحصاء الحيوي في الاستقراء والتنبؤ بالوضع الصحي للفيروس عالميًا ومحليًا؟ حبذا لو تحدثنا عن قراءتك للوضع المحلي بحسب المعطيات الإحصائية لأرقام الإصابات والشفاء والوفيات؟

– علم الإحصاء الحيوي جزء من علم الوبائيات، ويهدف إلى جمع البيانات وتحليلها وتلخيصها وعرضها؛ من أجل توجيه صاحب القرار لاتخاذ القرارات المناسبة، إضافة إلى المقدرة على التنبؤ والاستقراء حول صحة المجتمع والأمراض، ورسم الخطط الصحية المستقبلية للمجتمع بناء على النتائج التي تم الحصول عليها، وذلك من خلال استخدام الأدوات الإحصائية المتنوعة كالإحصاء الوصفي البسيط، والاختبارات الوصفية الثنائية والمتقدمة. أما القراءة للوضع المحلي فقد تم الإشارة إليها في سؤال سابق.

* أوصت وزارة الصحة بتجنب إقامة وحضور المناسبات التي يزيد الحضور فيها على 50 شخصًا.. لماذا تم تحديد هذا العدد؟

– تم ذكر هذا العدد على سبيل التوضيح لا التخصيص والحصر. والحقيقة أن أبرز الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار (كوفيد-19) هو تجنب المخالطة المباشرة والتجمعات العامة بشتى صورها وكل أنواعها.

* منظمة الصحة العالمية صرّحت بأنها تعمل مع المختصين بالوبائيات والإحصاء الحيوي لقياس بعض المؤشرات الوبائية المهمة للفيروس مثل فترة الحضانة ومعدل الوفاة وغيرها.. وهذا يدل على أهمية هذا التخصص، السؤال: التخصص في طب الوبائيات قبل كورونا المستجد لن يكون كما بعده؟ ما هي توقعاتك لهذا التخصص على المستوى العالمي والمحلي؟

– يحظى هذا التخصص باهتمام كبير على المستويين العالمي والمحلي؛ والمتوقّع هو الاهتمام الأكبر بالصحة العامة والطب الوقائي وطب المجتمع وصحة الناس؛ لأنها جزء لا يتجزأ من النظام الصحي في كل دول العالم. ويبقى التحدي الأكبر في عدم فصل هذا التخصص عن التخصصات السريرية والعلاجية الأخرى، بحيث يلم المتخصص في هذا المجال بالجانب الأكاديمي النظري وكذلك الجانب الطبي والعلاجي.

 

احترازات مبكرة

* ختامًا، ما رأيك في الإجراءات التي اتخذتها المملكة بشكل عام ووزارة الصحة بشكل خاص لمكافحة انتشار هذا الفيروس؟

– الإجراءات الاحترازية التي تبنتها المملكة العربية السعودية مبكرًا في مرحلة ما قبل الوباء، وتم تنفيذها من قبل الوزارات والقطاعات المختلفة وعلى رأسها وزارة الصحة والشؤون الصحية في الوزارات الأخرى؛ هي في حقيقتها تكشف لنا بوضوح وصدق أن وطننا -حماه الله- حريص أشد الحرص على صحة المواطن والمقيم، ولذا تم تسخير الميزانيات والموارد وبذل الجهد وتكبد الخسائر الاقتصادية من أجل الحد من انتشار وباء (كوفيد-19)، والمحافظة على حياة وصحة الإنسان. حفظنا الله وإياكم ووطننا الغالي والمسلمين من كل مكروه.

 

التعليقات مغلقة.