كرم حارتنا أسطورة بين الماضي والحاضر (الجزء الثامن)

مدة القراءة: 3 دقائق

كتبه للأحساء اليوم : صالح بن سلمان العيسى

 المجالس الشعبية في حارتنا

هي إحدى العادات القديمة، التي مازالت تتربع على رأس السمات الاجتماعية التراثية العريقة؛ لما لها من دور بنّاء في إثراء الحياة الاجتماعية.

ومازال المجلس الشعبي يمثل تراثًا بصبغة حديثة يتوافد الأهل، والأقارب، والأصحاب، يحتسون القهوة والشاي، ويتحدثون عن الأمور الاجتماعية.

ولا تخلو أحاديث كبار السن من الذكريات، والعادات، والتقاليد، والأحداث التاريخية، والحكايات، والقصص الشعبية.

المجالس لاتزال هي المنبع الأصيل للثقافة، والقيم التربوية التي يتناقلها الأجيال، ناهيك عما يتعلمه الصغار من الكبار من الأخلاق والآداب: كاحترام الكبير، وشيمة الكرم، وحسن الضيافة.. وتنظم فيها بيوت العزاء والأفراح والأعياد.

وهي بمثابة المدرسة التي يتعلم فيها النشء: العادات، والتقاليد، والقيم، من خلال سرد قصص الأنبياء، والرسل، والسيرة النبوية.

– وصف المجلس الشعبي: المجلس غالبًا ما يطل على الشارع مباشرة، ويبنى قديمًا بالحجارة والطين الممزوج بالتبن، وتغطى جدرانه بطبقة من الجص أو الجبس، ويغطى سقفه بجذوع وجريد النخل، وطبقة من الطين، وتعلو جدرانه رواشن قريبة من الوجاق؛ لخروج الدخان المتصاعد منه، وتزين جدرانه بالروازن، وتغطى أرضيته بالمداد المصنوعة من نبات الأسل، أو الحصير المصنوع من سعف النخيل، ويفرش بمفارش ومساند مصنوعة من القطن.

الوجاق (أو الوجار أو الموقد): يعتبر أهم جزء في المجلس، ويبنى في زاوية المجلس، مع ترك مكان لصاحب البيت أو لأحد من أولاده أو صبيانه؛ ليقوم بخدمة الضيوف أو المرتادين.

والوجاق عبارة عن فتحة مربعة مجوفة من الداخل (المشب).

ويبنى الكمار قريب منه -والكمار عبارة عن تجويف بإحدى زوايا المجلس- ويتم بناء الوجاق والكمار بالطين الممزوج بالتبن ويليصا بالجص الأبيض، ويضفي الديكور الشعبي للوجاق والكمار جمالًا على المجلس.

وتشتهر حارتنا ببنّائين أساتذة مهرة يتفننون في البناء، والزخرفة. وتعمل للكمار أرفف توضع عليها الدلال، والأباريق، كما توضع بالأسفل منه القهوة، والهيل، والزعفران، والشاي، والسكر، ، والبخور.

وللقهوة العربية والشاي أوانٍ خاصة بدءًا من الدلال، والأباريق، والفناجين، والبيالات، ومستلزمات أخرى مثل: النجر أو (الهاون)، والملقط، والمراكي، والمحماس، والمنفاخ، وأخشاب الغضا.

– مجلس عمدة الحارة:

العمدة: هو رجل الأمن في الحي، وهو واجهة الحارة عند الدولة، ومهام العمدة مهام أمنية، ومهام اجتماعية.

فمن المهام الأمنية: الحرص على استتباب الأمن، وتقديم النصح لكل مقصر، وتشمل البلاغات كافة المتعلقة بما يحدث من مشاكل في الحارة.

ويكون للعمدة معرفة ودراية بأماكن وسكن قاطني المعمد عليها؛ لأنه جهة بلاغية، وكذلك تبليغ الجهات المختصة.

ومن مهامه الأمنية: التصديق على الأوراق، والمستندات، والاستمارات، في كل ما يخدم المواطن والمقيم لدى الجهات الرسمية، وإعطاء التعاريف وغيرها.

أما عن المهام الاجتماعية؛ فهي كثيرة ومنها: البحث عن المحتاجين، والمساكين، والتنسيق مع جمعيات البر الخيرية؛ لتقديم العون والمساعدة.

وكان عمدة الحارة سابقًا هو الوجيه عبدالوهاب بن إبراهيم البراهيم، الذي أعقب والده الوجيه إبراهيم بن عبدالرحمن البراهيم في العمودية بعد وفاته.

وبعد تقاعده انتقلت عمودية الحارة إلى مشاري بن سلمان المغلوث عمدة الشروفية وتوابعها.

مجلس الفقيه الشيخ عبدالله بن محمد العكلي:

حرص الشيخ على وعظ الناس، وإرشادهم، وحثهم على المكارم، وتحذيرهم من الرذائل.

كَتب الله -عز وجل- للشيخ قبولًا منقطع النظير عند الخاصة، والعامة، فأحبه الناس، وحرصوا على لقائه، وزيارته في المناسبات، ولا غرابة في ذلك فقد كان متواضعًا كريم النفس، سخي اليد، وكان مجلسه مفتوحًا للعامة قبل الخاصة، ولطلبة العلم، ولم يكن يتعالى بعلمه.

مجالس اجتماعية قديمة:

يغلب على هذه المجالس الطابع الاجتماعي من خلال ترسيخ العلاقات بين الجيران، وتلعب تلك المجالس دورًا رياديًا في التعارف وبناء المجتمعات؛ مما يقرب سمة التواصل والتلاقي، ويكسر الحاجز بينهم، وحرص بعض أصحاب هذه المجالس على استمراريتها، والمحافظة عليها، والبعض يعتبرها إرثًا تاريخيًا.

ومن هذه المجالس:

– مجلس الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الكلي (أبوبندر):

لديه اهتمام كبير بالتراث ويحتفظ بأدوات ومواد أثرية قديمة: كأدوات الأكل والشرب.. من فناجين القهوة، واستكانات الشاي، والأباريق، ودلال الرسلان، والقدور.. إلخ، وكانت تعرض في زاوية من مجلسه، ويستقبل أعدادًا من الحارة وخارجها.

– مجلس مبارك بن مرزوق بن هندي:

وهو الجد الأكبر للأسرة، ومجلسه في بداية الطريق المؤدي لمسجد الرايس، والمجلس عامر بالمرتادين من سكان الحارة وخارجها.

ويقال: إن جدنا صالح العيسى لا ينقطع عن حضور المجلس، ويعد مرجعًا لهم في كثير من الأمور الدينية.

– مجلس عبد العزيز الشويرد وإخوانه:

ويقع شمال غرب شارع كرم، ويعد من المجالس المعروفة آنذاك.

– مجلس عبدالعزيز بن عبدالوهاب السماعيل وابنه عبدالله:

وكان هذا المجلس ملتقى للعديد من داخل الحارة وخارجها، ويذكر على سبيل المثال لا للحصر: عبدالله البراهيم، وعلي الماص، وإبراهيم بن عبدالله الماص، وحسين الشهاب، وعبدالوهاب الصياح، وفهد الرزيحان.

– مجلس سلمان بن محمد السماعيل في حارة الشعبة

وبعد انتقاله إلى الحارة حرص ابنه الأستاذ محمد بن سلمان السماعيل على استمراريته، بعد انتقاله إلى الحارة، ويعد ملتقى سكان الحارة وخارجها حتى وقتنا الحاضر.

أطال الله عمر من بقي ولمن رحل نسأل الله لهم المثوبة والأجر.. وللحديث عن حارتنا الجميلة بقية بمشيئة الله تعالى.

 

التعليقات مغلقة.