استشاري طب وقائي: عدوى “كوفيد 19” لم تنتهِ وعلى المتهاونين التوقف عن سماع محبي الشهرة

مدة القراءة: 9 دقائق

 

  • الإعلام الصحي يواكب التحديات القائمة واحتياجات الجمهور
  • على الطبيب امتلاك بعض مهارات الإعلام والاتصال لا أن يكون إعلاميًا
  • هناك قصور في دور الإعلام بالمجال الصحي وعدم دقة في بعض ما يطرح
  • نجد تطفلًا على مجال الطب الوقائي من محبي الشهرة غير المتخصصين
  • الخلافات العلمية بين الأطباء مكانها المؤتمرات الطبية وليس أمام العامة
  • ينبغي الحذر من المعلومات غير الدقيقة في السبق الصحفي بالمجال الصحي
  • الظهور الإعلامي لبعض الأطباء غير مرغوب فيه
  • القول بأن تعريض الكمامات للشمس داخل السيارة يعقّمها كلام عشوائي
  • المعلومات غير الدقيقة بوسائل التواصل تشوّش على رسائل وزارة الصحة
  • لم تصدر توجيهات علمية بالكمامات البلاستيكية وربما تسبب الاختناق
  • الإعلام الصحي بالمملكة أظهر احترافية عالية في تعاطيه مع كورونا
  • تزايد الإصابات بعدة مناطق يعكس عدم التزام البعض بالتدابير الوقائية
  • هاتان المجموعتان هما سبب الوضع الوبائي الراهن في المملكة
  • ارتفاع أعداد الحالات الحرجة مؤشر مقلق ويدق ناقوس الخطر
  • ينبغي الرهان على السلوك لا على التوصل للقاح أو علاج لكوفيد 19
  • لا داعي للقلق المبالغ به ولكن الحذّر مطلوب مع عودة الحياة لطبيعتها

 

حوار: سلمان المعيوف

لا شاغل لهم غيرها، يتوجّسون منها خيفة، يتتبعون أخبارها، ويحبسون أنفاسهم أمام كل مستجد من مستجداتها، مُلئت قلوبهم بالرعب، يشعرون أنها تتربص بهم، وتلاحقهم، وتأتيهم بغتةً من بين أيدهم ومن خلفهم، ولا يملكون حيلة أمامها إلا محاولة التولي منها فرارًا.

هكذا فرضت جائحة كورونا المستجد (كوفيد-19)، سلطانها على البشرية جمعاء، وأدخلتهم في ظلمات بعضها فوق بعض، ولم تترك لهم حرية حتى في إدارة شؤون حياتهم البسيطة فضلًا عن غيرها، فالمصافحة باليد مثلًا أضحت في زمنها مغامرة خطيرة غير محسوبة العواقب!.

ولم تكتفِ بذلك فحسب، بل وصل طغيانها للتحكم في حركة أيدي الناس وإن لم تتجاوز حدود أجسادهم، إذ منعتهم من مس أفواههم وأعينهم بل حتى مداخل أنفاسهم، فلم يعد بمقدور الإنسان التصرف بيده حيثما أراد بعفويته المعتادة.

وفي ظل تفشي تلك الجائحة وتزايد أعداد ضحاياها في المملكة في الآونة الأخيرة؛ توجّهنا ببعض الأسئلة المتخصصة للدكتور علي الحداد استشاري مشارك طب وقائي وصحة عامة بوزارة الصحة بالرياض، حول وباء “كوفيد 19”.. فكان بيننا وبينه الحوار التالي:

 

الإعلام الصحي

* برزت في الآونة الأخيرة بسبب تفشي جائحة كورونا المستجد (كوفيد-19) أهمية الإعلام في المجال الصحي، وتزامن ذلك مع تخريج الدفعة الأولى دبلوم عالٍ في الإعلام الصحي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، السؤال: ما هي الميزة أو “القيمة المضافة” التي يمكن أن يقدّمها “الإعلام الصحي المتخصص” عن الإعلام العام؟

– الإعلام الصحي بوصفه أحد فروع الإعلام المتخصص يتضّمن المهارات الإعلامية والمعرفة الصحية التي تكون قيمة مضافة تصبو نحو تحقيق طرح إعلامي يواكب التحديات القائمة والاحتياجات الحالية، ويعتبر مساعدًا على تقديم محتوى إعلامي مميز وفريد متخصص في المضمون وتقديمه بصورة تلبي احتياجات الجمهور والاهتمام بالقطاعات ذات العلاقة.

* هل هناك ضرورة لاهتمام الطبيب بدراسة الإعلام الصحي؟ وما الذي يمكنه تقديمه في هذا المجال؟ وما هي المهارات الضرورية للعمل في مجال الإعلام الصحي؟ وهل ترى ضرورة أن يكون من يعمل طبيبًا أو مختصًا في المجال الطبي؟

– لابد من أن يمتلك الطبيب بعض المهارات في الإعلام والاتصال والتواصل والعلاقات والتسويق؛ لأنه يتعامل مع الفرد والمجتمع من المرضى والأصحاء، ويسعى بكل جهده لتقديم الرعاية صحية لهم والتسويق للوقاية وللخدمة الصحية المختلفة، وكل هذه المسائل ينبغي له أن يقوم بها بأسلوب جاذب ومحبب، ولكن هذا لا يعني اشتراط أن يدرس الطبيب الإعلام الصحي وإن كان ذلك مهمًا؛ لأن العيادة هي مسكن الطبيب المهني وبيته الذي يكتب الله على يديه الشفاء، وليس بالضرورة أن يكون الطبيب إعلاميًا.

 

دور الإعلام في تعزيز الصحة العامة

* كثيرًا ما يُركز على دور الإعلام والتوعية الصحية في توعية الأفراد وتعزيز جودة الحياة الصحية، السؤال: لماذا لا نجد تركيزًا موازيًا بالكيفية نفسها للاتجاه المقابل؛ أي على أهمية دور “الإعلام الصحي” في لفت انتباه صناع القرار إلى مكامن النقص واقتراح حلول معينة؟

– هذه إحدى مهماته وأدواره الرئيسية، وينبغي الالتفات لها من قبل العاملين في مجال الإعلام الصحي؛ نظرًا لأهميتها في تحسين وتعزيز مستوى الصحة والخدمات الصحية المقدمة للمرضى وذويهم، وربما يكون سبب ذلك هو تزاحم الأولويات.

* ما هو تقييمك لدور وإسهامات وسائل الإعلام في المجال الصحي، وهل هو متناسب مع ما لديها من قدرات وإمكانات؟ وما هو المطلوب منها؟

– أستطيع أن أقول بشكل عام إن هناك قصورًا في بعض الجوانب؛ نظرًا إلى اللبس الحاصل وعدم الدقة في بعض ما يطرح، نظرًا لعدم الاعتماد على الإعلام المتخصص والإعلاميين المتخصصين القادرين على التأثير.

* ما هي علاقة الإعلام الصحي بالتوعية الصحية؟ هل هما مجالان منفصلان أم مجال واحد؟ وهل ترى أن الأفضل “للتوعية الصحية” أن تكون تابعة لإدارة الإعلام أو لإدارة الطب الوقائي؟ ولماذا؟

– الإعلام الصحي أحد تخصصات الإعلام وهو علم مختلف عن التوعية الصحية التي تعتبر أحد فروع علوم الصحة العامة وتخصصاتها الدقيقة، ولا بأس أن تكون التوعية ضمن أي إدارة المهم أن تؤدي دورها الفعال على الوجه الأكمل.

 

تطفل وجهل

* نحن نعيش في عالم ما يسمى بالنجوم، نجوم في الرياضة، نجوم في التمثيل، وفي العديد من المجالات الفنية الأخرى، السؤال: ألسنا الآن بعد المرور بتجربة هذه الجائحة العالمية بحاجة إلى صناعة نجوم صحية (أطباء، كوادر طبية أو إدارية متميزة في المجال الصحي)؟ وما هو تقييمك للوضع الحالي؟

– نعم، نحن بحاجة إلى ذلك بالاعتماد على الدراسة والخبرة ليكون مؤثرًا متخصصًا ملمًا بنواحي الموضوع. ولكن للأسف أن نجد بعضهم يستعجل النجومية، ويساهم في نشر معلومات مغلوطة في مجال غير مجاله، كما هو الحال مع جائحة كورونا المستجد “كوفيد 19″، حيث نجد تطفل بعضهم على مجال الطب الوقائي والأمراض المعدية، وهذه علوم دقيقة وتخصصات صحية تحتاج لممارسات مهنية وتطبيقية في الميدان (المستشفيات والمجتمع) وليس فقط للجانب الأكاديمي التنظيمي الذي ربما يطلع عليه بعضهم دون أن يمارس ذلك عمليًا ويكتسب الخبرة الكافية فيها.

لذا وجدنا حديث بعضهم ينم عن جهل بهذا الميدان؛ لأن حديثه كان بهدف استمالة الجمهور وعامة الناس، فبدأ لذلك في التحدث عن أمور لم تثبت علميًا بلغة الجزم والتأكيد، وبثقة متناهية لا نجدها عند أهل الخبرة والاختصاص والجهات الصحية، سواءً المحلية كوزارة الصحة أو عالمية كمنظمة الصحة العالمية، بل إن بعض المعلومات قد نفتها هذه الجهات وتحدثت عن عدم صحتها أو دقتها على الأقل. للأسف أن بعض هؤلاء أطباء في مجالات أخرى، وبعضهم أخصائي مختبر وصيدلة وغيرها من التخصصات الصحية الأخرى.

 

خلافات الأطباء حول كورونا

* شهدنا في الآونة الأخيرة الكثير من الجدل والخلافات بين الأطباء بخصوص فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، فبدأ بعضهم يهاجم بعضًا، إما لأنه يتحدّث في موضوع الفيروس وهو ليس من ضمن تخصصه، أو للاعتراض على المحتوى المعروض نفسه والتشكيك فيه، السؤال: ما أثر الخلافات العلنية بين الأطباء على الصورة الذهنية للعاملين في المجال الطبي؟ وكيف يمكن الحد منها؟ وما هي المرجعية التي يمكن الرجوع إليها حين وجود الاختلاف؟

– الخلافات بهذا الشكل غير مرغوبة والمناقشات العلمية تحدث في المؤتمرات الطبية والندوات، وليس أمام عامة الناس، والمرجعية في ذلك هي الجهات المختصة العلمية المحلية والعالمية.

كما ينبغي أن يعتمد على البراهين العلمية والممارسات العلاجية والوقائية المبنية على الأبحاث السريرية والدراسات الصحية المثبتة، والتي تعتمد على اختبار الفرضيات بالنقض أو الإثبات من خلال الدلالات الصحية للإحصائيات والبراهين العلمية المقرونة بها.

ومن هنا نجد الجهات الطبية العلمية عندما توصي بإعطاء دواء أو سحبه، فإن ذلك يكون وفق بروتوكولات علمية وأخلاقية صارمة، وبشروط علمية محكمة منضبطة، كما أنها تتم عبر مراحل ولجان مراقبة دقيقة ومنضبطة ومحددة بعيدة عن العشوائية والاستعجال.

 

الظهور الإعلامي للأطباء

* المجال الصحي من المجالات الحساسة، ولذا فإن حرص العاملين في المجال الإعلامي على السبق الصحفي قد يوقعهم في بعض الأخطاء الفادحة بدرجة أكبر من المجالات الأخرى، السؤال: كيف تقرأ ذلك بصفتك طبيبًا وممارسًا ومهتمًا بمجال الإعلام الصحي؟

– السبق الصحفي قد تكون له آثاره السلبية من عدم الدقة والمصداقية والتضليل والتشويش وانتشار الشائعات إذا كانت المعلومات غير دقيقة، فينبغي الحذر.

* يُقال في المجال الفني إن كثرة الظهور الإعلامي محرقة للفنان وقتل لإبداعه، السؤال: ما رأيك في كثرة الظهور الإعلامي لبعض الأطباء في وسائل الإعلام التقليدية أو وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل ينطبق عليه المقولة نفسها أو لا؟ ولماذا؟

– إذا كان الظهور محدد الأهداف والمقاصد فلا بأس فيه، ولكن الظهور العشوائي غير الممنهج فغير مرغوب فيه.

 

كلام عشوائي

* أثيرت في الآونة الأخيرة مسألة وهي: أن ترك الكمامات في السيارة للتعرض لأشعة الشمس لمدة معينة كـ 3 ساعات كفيل بتعقيمها لإعادة استعمالها مرة أخرى؛ لأن الفيروس سوف يتحلل ويتكسر.. ما رأيك بهذا الكلام؟ وما مدى صحته؟

– اطلعت على بعض ما أثير حول هذه المسألة في بعض القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي، وأحب التأكيد على بعض الأمور في التالي:

  • إن غسل الكمامة أو تعريضها للشمس وهي غير مخصصة لذلك قد يعرّضها للتلف، وهذا يؤدي لأن تفقد خواصها الفيزيائية ومرونتها ومقاومتها ونفاذيتها؛ مما يؤدي لفقدانها قدرتها على الحماية والوقاية، وبهذا تفقد وظيفتها الأساسية التي لأجلها صنعت ولأجلها تُلبس.
  • هذا الحديث يفتقر للدليل العلمي المعتد به في الأعراف والأوساط العلمية الطبية، فالمخرجات والنتائج العلمية للدراسات تُقدم وتُقيم من خبراء وتنشر بمجلة علمية محكمة، وتعرض للنقد والتحليل والمراجعة من مختصين، ولا يصح الاعتماد على التجارب الشخصية الفردية.
  • إن الحديث عن فيروسات معينة بأنها تتعرض للتحلل والتكسر بسهولة لا يعني الجزم أن ذلك ينطبق على فيروس كورونا المستجد “كوفيد- 19″، فلكل فيروس خصائصه ومميزاته التي لا يصح تعميمها على باقي الفيروسات الأخرى، والجزم بذلك قطعًا كحقيقة فيه من التعميم غير العلمي، وإن كانت من فصيلتها RNA.
  • إن الهدف من لبس الكمامة ليس القضاء على الفيروس أو تحلله أو تكسره بل حماية لابسها وحماية الآخرين من انتشار الجزئيات أو القطيرات أو الرذاذ المتطاير بين الناس، بحيث تشكل فاصلًا وحاجزًا بين كل شخص والآخرين لما يخرج من الأنف أو الفم، فهذا جزء من الإجراءات الوقائية لمكافحة كورونا وليس كل شيء.
  • إن فرضنا جدلًا أن الكلام صحيح، فلا يعني هذا أن تحدد 3 ساعات بالسيارة كفيلة بالقضاء على فيروس كورونا، إذ ما هي درجة الحرارة بهذه الساعات الثلاث؟ وكيف يتم التعريض مباشرة أم عدة مرات؟ وما هو الدليل الكفيل بالقضاء؟ لذا فإن هذا الكلام المذكور عشوائي وغير دقيق أبدًا.
  • من المعروف أن الدراسات لها ظروفها القياسية والمثالية بالمختبرات والمعامل ولها معطياتها ومحدداتها، وليس بالضرورة يتم تطبيقها وتعميمها للممارسات اليومية في بيئتنا المحلية، فقد تكون غير مناسبة، فضلًا عن مستوى قوة الدراسة ومنهجيتها العلمية وضوابطها، وما قدم بهذا الشأن يفتقر لأبسط المبادئ العلمية الطبية والبحثية.
  • لدينا بوزارة الصحة نخبة من الزملاء من أطباء وكفاءات علمية وخبرات وطنية يعملون في لجان تراجع باستمرار أفضل نتائج الدراسات ومخرجات البحوث والأدلة العلمية العالمية في هذا الشأن؛ لتخرج لنا بأفضل التوصيات والممارسات التي تعود بالنفع على صحة وسلامة المواطن والمقيم؛ لذا فإن الظهور بمعلومات غير دقيقة على وسائل التواصل الاجتماعي أو قنوات الأعلام يعمل على تشويش الرسائل الاتصالية التي تعمل عليها وزارة الصحة، وتعمل تضليل للمتلقي والمشاهد والمستمع والناقل لها، كما أنها تناقض رسائل الوزارة والجهات الحكومية التي تعمل ليل نهار وباستمرار على صياغة رسائل إعلامية محددة.

 

الكمامات البلاستيكية

* ما رأيك في بعض الكمامات البلاستيكية التي بدأ البعض يروج لاستخدامها عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

– لم تصدر التوجيهات العلمية بلبس هذا النوع من الكمامات، بل ربما تسبب خطر الاختناق بخلاف الكمامات القماشية التي صدرت التوجيهات باستعمالها؛ نظرًا لفعاليتها في حبس الرذاذ والقطيرات المتطايرة، وبصفة عامة ينبغي أن تتوفر في الكمامة الشروط التالية:

  • أن تكون مكونة من عدة طبقات.
  • أن تكون فيها القابلية للتنفس السليم، وهذا بالتأكيد لا يتوفر في الكمامة البلاستيكية.
  • لابد أن تكون نظيفة باستمرار من خلال غسلها المعتاد بالماء والصابون إذا كانت قماشية.

* كيف تقيم الإعلام الصحي بالمملكة في تعاطيه مع جائحة كورونا المستجد (كوفيد-19) من ناحية إنتاج المواد والرسائل الصحية، إبراز الجهود والمبادرات الصحية في المملكة، محاربة الشائعات والحد منها؟!

– مستوى ممتاز وعلى قدر من المهنية والاحترافية العالية، واعتقد أن الجهود واضحة للجميع.

 

كورونا والوضع الراهن

* ما هي أسباب ارتفاع وتزايد الأعداد في الآونة الأخيرة؟

– الأرقام تعكس سلسلة من التفشيات والإصابات بعدة مناطق بالمملكة، وهذا يعكس سلسة من الأشخاص المواطنين والمقيمين ممن لم يتقيدوا أو لم يلتزموا بالتدابير الوقائية والاحترازية التي أوصت بها وزارة الصحة بهذا الشأن كما ينبغي، خصوصًا ما يتعلق بالتباعد الجسدي والاجتماعي وعدم الخروج من المنزل إلا للضرورة، فكل هذه الأمور ساهمت في زيادة الحالات، وهذا ما أشار إليه المتحدث الرسمي لوزارة الصحة الدكتور العبدالعالي.

* بحسب وجهة نظرك؛ ما هي أسباب وصول الوضع الوبائي لفيروس كورونا في المملكة لما وصل إليه في الآونة الأخيرة؟

– باعتقادي أن الوضع الوبائي الراهن في المملكة بسبب مجموعتين:

  • المجموعة الأولى: تدعي العلم والمعرفة والخبرة، وهي في الحقيقة أبعد ما تكون عنها وعن الميدان، وإن كان بعضهم محسوب على الكوادر الصحية، إلا أنهم بعيدين وليسوا من أهل المعرفة بهذا الفيروس، كما هم بعيدين أيضًا عن الالتزام بأخلاقيات الطب والصحة العامة، فهذه المجموعة وللأسف طمأنت الناس وبشرتهم بقرب انتهاء المرض، وتكلمت معهم بما يطلبه ويأمله المشاهدون والمستمعون، فسمعها بعض الناس وتلقوا كلامهم كحقائق علمية، وأثر ذلك على سلوكياتهم وللأسف الشديد.
  • المجموعة الثانية: هي من تعاملت وتصرفت بتراخي وعدم استشعار المسؤولية، بحيث قامت ببعض الممارسات والسلوكيات غير الصحية معتمدة في ذلك على حديث من ذكرناهم في المجموعة الأخرى في التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، التي نشرت أننا في مرحلة آمنة، فهؤلاء يعتقدون ويثقون بهؤلاء المشاهير ودفعهم ذلك لمزيد من التهاون واللامبالاة، ما أدى إلى ما نشاهده من اكتظاظ وازدحام وزيارات، وعدم تطبيق التباعد الجسدي والاجتماعي.

 

خطورة حقيقة

* ما هي خطورة ازدياد الأعداد المصابة والحالات الحرجة في الآونة الأخيرة في المملكة؟ وعلام يشير ذلك؟

– لعل أبرز خطر في ذلك هو انتشار وانتقال وتفشي المرض والإصابة به بين الفئات الأكثر خطورة، وهم أصحاب الأمراض المزمنة مثل مرضى القلب والرئة والكبد، ومن مناعتهم ضعيفة كالسرطان، والذي يكون كوفيد 19 أشد تأثيرًا فيهم، فهؤلاء يكون المرض عليهم أشد ضراوة وتصبح حالاتهم حرجة، وقد يحتاجون للعناية المركزة وأجهزة التنفس الصناعي، ولذلك قد تمثل إصابتهم خطرًا حقيقيًا على حياتهم.

وهذا الارتفاع بالنسبة لنا كأطباء صحة عامة مؤشر مهم وحساس ومقلق ويدق ناقوس الخطر، فهو يخص أحد المؤشرات الصحية المهمة، وهي نسبة إشغال العناية الحرجة كمؤشر لإدارة الأسرة الطبية في المستشفيات، والتي تمثل زياداتها زيادة في الطلب والاحتياج لها، ومن ثم عبء على النظام الصحي وكوادره بالمرحلة المستقبلية، وهذا يمثل خطورة حقيقة ولا يستهان بها للتالي:

  • لدينا مرضى آخرين هم أيضًا بحاجة لأسرة العناية المركزة أو موجودين فيها من قبل.
  • عامل الخطورة لإصابة الكوادر الصحية بالمرض بسبب التدخلات الطبية والجراحية عالية الخطورة.

ويمكن للمتهاونين في بعض سلوكياتهم أن يتخيلوا وجود حالة حرجة لكوفيد 19 تحتاج لسرير في العناية المركزة، وتتأخر في الحصول عليه حالًا أو لا تتمكن من الحصول عليه نهائيًا، فماذا سيكون عليه الوضع؟

لذا آمل أن يلتفت هؤلاء لخطورة الأمر وليضعوا أقرب الناس إليهم في هذا الوضع، فليتخيلوا أن والدهم أو والدتهم مريضة بأمراض مزمنة وتحتاج لسرير عناية مركزة ولا يحصلوا عليه بسبب اشتغال الأسرة الطبية بنسبة 100 %، هذا سيناريو محتمل وواقعي وليس بخيال، ولهم أيضًا أن يتخيلوا الأسوأ، وهو أن تصل الأمور لأن يضطر الممارس الصحي -لا سمح الله- للاختيار وتحديد الأولوية بين المرضى في أسرة العناية وفي أجهزة التنفس الصناعي بسب ازدياد حجم الضغط والطلب والحاجة.

لذا نصيحتي للمتهاونين المعتمدين في سلوكياتهم على أحاديث بعض محبي الشهرة أن يتوقفوا عن الاستماع لهم والتأثر بأقوالهم؛ لأن كلامهم هو عكس كلام وزارة الصحة ومسؤوليها، وهذه المسألة يدرك حساسيتها وأهميتها من لديه علم بمبادئ الوبائيات والأوبئة والصحة العامة، وأما من هو بعيد عن هذه الأجواء ويبحث عن الأضواء والشهرة ويؤثر في الناس بمعلومات غير صحيحة، فنحن سنحصد نتائج سلبية لكلامهم غير العملي وغير الدقيق، وغير الصحيح للأسف الشديد.

 

التطعيمات وحدها ولا تكفي

* الكثير ينتظر النتائج العلمية في التوصل للقاح أو العلاج لكوفيد 19، ويراهن على ذلك، وربما نجده لا يبالي كثيرًا في تصرفاته لوجود هذا الأمل لديه، ما رأيك بهذا الأمر؟

– كطبيب وقائي مختص أقول لكم لا يسعدكم وجود اللقاح المانع والعلاج الناجع؛ لأنه ليس بالضرورة يؤدي لزوال كورونا المستجد كوفيد 19 بهما، وينبغي أن يكون الرهان على السلوك والتطبيق والممارسات الفردية والمجتمعية بالالتزام والتقيد بتدابير الصحة العامة والصحة الوقائية. ونقيس ذلك على سائر الأمراض المعدية الأخرى باختلاف طرق انتقالها ونواقلها سواء الماء أو الغذاء أو الهواء أو الدم أو غيرها من نواقل المرض، حيث نجد أن التطعيمات وحدها لا تفي ولا تكفي لمنع المرض كليًا، وعليه ينبغي الالتزام بالعادات الصحية التي تمكننا -بإذن الله تعالى- من مكافحة المرض والسيطرة عليه، وذلك من خلال التصرفات المنضبطة واستشعار المسؤولية.

* ختامًا، فهم بعضهم أن رفع الحجر المنزلي الكلي معناه انتهاء الخطر وعودة الحياة لطبيعتها كما هي قبل تفشي هذه الجائحة، ما هو تعليقكم على هذا الأمر؟

– لا داعي للقلق المبالغ به، ولكن الحرص والحذر مطلوب، فيجب أن نعود بحذر، نعود بوعي، نعود بمسؤولية، ويجب أن نستوعب أن الفيروس لم يضعف، ولم يخمل، ولم يقل نشاطه، ولم ينتهِ، فنحن لسنا حاليًا في مرحلة أمان ومأمونية، ويجب علينا جميعًا التقيد بالتعليمات لننعم بأمن صحي وصحة عامة، وكثيرًا ما ذكرت مرارًا وتكرارًا في أكثر من لقاء سابق الأمور الثلاث التالية:

  • الفيروس لم يختفِ.
  • العدوى لم تنتهِ.
  • الخطر لم ينتفِ.

لذا يجب علينا الحرص والحذر والالتزام والتقليد بالتعليمات الصحية لوزارة الصحة.

*****

الدكتور علي حسين الحداد في سطور

  • طبيب استشاري مشارك يعمل بوزارة الصحة السعودية بالرياض.
  • عضو في العديد من اللجان والجمعيات الصحية مثل: “الجمعية السعودية للوبائيات”، “والجمعية السعودية لطب الأسرة والمجتمع”، و”الجمعية العلمية السعودية للصحة العامة”.
  • عمل مديرًا لإدارة برنامج فحص الوافدين في “مجلس الصحة لدول مجلس التعاون الخليجي”، ومستشارًا للصحة العامة.
  • تولى العديد من المهام في “وزارة الصحة السعودية” منها:
  • مدير وحدة البحوث في إدارة الأسرة بديوان الوزارة بالرياض.
  • مدير المشاريع في الوكالة المساعدة للصحة الوقائية بوكالة الصحة العامة بديوان الوزارة بالرياض.
  • عمل مستشارًا للعديد من الجهات الحكومية والخاصة.
  • شارك في العديد من المؤتمرات المحلية والدولي.

المؤهلات العلمية

  • بكالوريوس الطب من جامعة الخليج العربي في مملكة البحرين.
  • حائز على الزمالة في الصحة العامة وطب المجتمع (CMPHB).
  • حاصل على شهادة الدكتوراه في الطب من جامعة الخليج العربي في مملكة البحرين.
  • حاصل على دبلوم عالِ في الإعلام الصحي من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

التعليقات مغلقة.