الواقع الاجتماعي والصحة والمرض

مدة القراءة: 2 دقائق

كتب للأحساء اليوم : عبدالله علي الرويمي

العلاقة بين المرض والصحة والواقع الاجتماعي علاقة وثيقة وتؤثر كثيرًا في الوقاية والعلاج وانتشار الأمراض، فالصحة والمرض يرتبطان بشكل وثيق بالإطار الثقافي والذي يساهم في بناء التصور الاجتماعي فيما يخص ظاهرة الصحة والمرض، وهذه الظاهرة تدعى بظاهرة “التمثلات الاجتماعية” ومفهوم “التمثل” يعني لغويًا تكوين الفرد في ذهنه لصورة ما عن شيء ما، وفي إطار الصحة والمرض يمكن القول بأن الفرد قد يتمثل أسبابًا ومعاني للمرض تكون عبارة عن تصورات ذهنية أو خيالية أو خرافية أو واقعية؛ بمعنى أنه ينتج تفكيرًا اجتماعيًا أو شعبيًا مختلفًا عما يقوله الخبراء.

في الماضي السمنة لا تصنف مرضًا لتواجد مؤشرات اجتماعية ترمز إلى السمين بالثراء والمكانة الاجتماعية العالية والصحة الجيدة، وبالمقابل تدل النحافة على المرض والفقر، ونشأت هذه الرمزية جراء ظاهرة الجوع وسوء التغذية المزمنين في فترات زمنية معينة، حيث كانت المواد الغذائية نادرة الحصول، وخصوصًا الطعام الدسم، وهذه الظاهرة هي أحد التفسيرات الاجتماعية للمبالغة في أهمية الطعام ونشأة رمزية السمنة، ولكن في الوقت الراهن أصبحت السمنة مؤشرًا على كثير من الأمراض كضغط الدم، والسكري وغيرها، بينما النحافة أصبحت نموذجًا للصحة والجسم المثالي، كما نلاحظ هنا ارتباط السمنة  بقيم وظروف وتصورات اجتماعية ساهمت في تكوين المرض، ومع تغيير تلك الظروف تبدل المفهوم والتصور.

كما تواجدت التفسيرات العامة اتجاه فيروس كورونا، وهنالك فئة من الناس ليست بقليلة في جميع دول العالم تعتبر الفيروس مؤامرة والبعض اعتبرهُ خدعة وخاصة لدى بعض السياسيين عند بداية الجائحة؛ مما جعل الجماهير تصدق هذا الادعاء، وتوجد منشورات ليست بقليلة في مواقع التواصل الاجتماعي منها ما يصور أن هذه المؤامرة لتقليل عدد السكان، وبعضها تمحور حول التقنية المتطور للهواتف النقالة المعروفة 5G والتي كان يدعي مروجوها في السابق أن موجاتها الصوتية تتسبب في السرطان، بينما الآن أصبحت تسبب فيروس كورونا، وهذا يدل على سعة انتشار مثل هذه الأفكار في أغلب المجتمعات حول العالم، وبالتأكيد مثل هذه التفسيرات والتصورات العامة ساهمت بشكل كبير في زيادة أعداد الإصابات والوفيات؛ لأنها تعطي شعورًا زائفًا بالطمأنينة. وقد تظهر مثل هذه التصورات كردت فعل ناتجة من عمق حب الإنسان للحياة ولتقليل حدة التوتر والقلق الناجم عن فكرة الألم والموت المهددة للوجود.

وتعقيبًا على هذا الأمر، الأوبئة التي واجهت البشرية لم تكن صدفة بل نتيجة ظهرت من عبث الإنسان بالبيئة؛ مما أحدث اختلالًا في توازنها، ومنها تجفيف البحيرات وبناء السدود، واقتلاع الغابات، وردم المستنقعات، واستخراج المعادن ومصادر الاحتراق؛ مما صاحبه تلوث في الماء والهواء والغذاء، ولربما بعد ٥٠ سنة تنشر صورتي كما نشرت صورة ذلك المسن الذي ذهب إلى المستشفى ليأخذ الأكسجين؛ ليجد أن تكلفته باهظة، وعندما رأى الفاتورة بكى وقال: لي ٧٠ سنة أتنفس مجانًا. بالتأكيد ستزيد تكلفة الحياة كاملة ما لم تعالج تلك العوامل، وسوف تظهر المزيد من الأوبئة، ومجموعة من الناس يعتقدون أنها مؤامرة وخدعة؛ لأنها ليست إلا آثارًا ناتجة من عوامل رئيسية.

التفسيرات الطبية لها أهميتها الكبرى لكن وحدها لا تكفي للتعامل مع ظاهرة المرض دون الأخذ بالحسبان العديد من العوامل الاجتماعية والتي تلعب دورًا مباشرًا أو غير مباشر في الصحة والمرض، وهو ما سماه الباحثون “شبكة معاني المرض” للإشارة إلى مجموع المعاني والرموز المكونة للمرض، وهذا يتطلّب متخصصين في العلوم الاجتماعية والإنسانية عمومًا للكشف عن تلك المعاني.

 

عبد الله علي الرويمي

أخصائي وباحث اجتماعي

التعليقات مغلقة.