كَرم حارتنا أسطورةٌ بين الماضي والحاضر (الجزء العاشر)

مدة القراءة: 2 دقائق

كتبه للأحساء اليوم : صالح بن سلمان العيسى

 “نظامُ المقايضة في الحارة”

يمكن تعريف نظام المقايضة على أنها أحد الأنظمة القديمة التي كانت ومازالت تستخدم في العديد من الأغراض التجارية، وتحمل في مضمونها تبادل المنافع أو الخدمات؛ كان ذلك: قبل وبعد استخدام العملات النقدية، فمن إيجابياتها:

أنها لا تشترط وجود المال، أو النقود، من أجل حصول طرف ما على سلعةٍ محددةٍ من الطرف الآخر؛ بسبب قلة السيولة في أيدي البعض من أفراد المجتمع، وهذا مما يزيد من مرونة تسويق، وتبادل المنتجات، وتحرير السلع، وسهولة تبادلها بين الأفراد.

والأشهر في نظام المقايضة أنه يتم إجراء تبادل بين سلعتين استهلاكيتين، مع وجود حاجة لكل طرف من أطراف المقايضة، وهو نظام يتم من خلاله تبادل المنتجات أو الخدمات وبشكل مباشرٍ دون وسطاء.

والمقايضةُ من البيوع التجارية الجائزة في الفقه الإسلامي، وهو: بيع عين بعين أو مبادلة سلعةٍ بسلعة، ويشترط:

أن يكون مباحًا ينتفع به.

مملوكًا لصاحبه.

قادرًا على تسليمه للطرف الآخر.

وتقوم المقايضة على بيع السلع التي لا تتوفر بصورةٍ كبيرة، ولا يستغني عنها الإنسان.

وقد عرف نظام المقايضة قديمًا، واستخدم عبر التاريخ، لمن كان لديه فائض من القيم يمكن مبادلته بأشياء أخرى لا يمتلكها.

ومن المنتجات التي تم تداولها قديمًا بنظام المقايضة من أنواع الأرز مثل: أرز أبو بنادق -وتتميز حبته بكبرها- وأرز الزيرة بصغرها، والأرز البسمتي رفيع الحبة، ولكل صنف من هذه الأصناف له طعمٌ خاص. وكذلك القمح، والحنطة، والسكر، والتمر.

وكان الأرز الحساوي لا يحقق الاكتفاء الذاتي لأفراد المجتمعات؛ فاختلاف أنواع الأرز وندرته زاد من تبادل تلك الأصناف بين الأفراد، وخصوصًا الأرز الحساوي والذي شكل أكبر وتيرة تبادل بين الأصناف لما يتميز به: من جودة غذائيةٍ عاليةٍ مقارنة مع بقية الأصناف الأخرى.

جدير بالذكر أن كلًا من عبدالعزيز وإبراهيم أبناء عبدالرحمن الفهيد، يعتمدان قديمًا في تسويق ساعات اليد بجميع أصنافها، من خلال تبادل الساعات فيما بينهما وبين الآخرين بنظام المقايضة (سلعة بسلعة)، وتعتبر الساعات الآن من المقتنيات الأثرية ذات القيم الباهظة.

ومما يذكر أيضًا أن أحد الفلاحين كان يحضر: فجلًا وأنواع أخرى من النباتات الورقية الخضراء يضعها في مرحلة كبيرة -وهي إناء مصنوعة من الخوص- يجلس بها في جانب من الحارة ويحضر له الناسُ كميةً بسيطةً من التمر في إناءٍ يأكل منه ويطعم ماشيته ويضع لهم بدلها فجلًا.

وعن تبادل “الخدمات” وهو نوع من أنواع المقايضة؛ فكان قديمًا يعتمد الناسُ في شهر رمضان المبارك على الجلوس لتناول وجبة السحور على المسحراتي (أبو طبيلة) ولكل حارة فرقة من الأفراد، وكان يقوم بقرع الطبل، ويلف على مساكن الحارة وهو يردد عبارة:

اصحى.. اصحى.. يانايم

وحّد ربك الدايم

وبتكرار  هذه الكلمات، وقرع الطبل، والهدوء الذي يخيم على الحارة، تستيقظ ربة البيت على صوت المسحراتي؛ لتعد وجبة السحور، ويستعيض (المسحراتي) لقاء خدمته لأهالي الحارة بما يقدمه له الأهالي من: الأرز، والتمر أيام عيد الفطر المبارك.

النقصة الرمضانية

النقصة الرمضانية: هي عادة مجتمعية من العادات القديمة المتوارثة في شهر رمضان المبارك، والمستمرة حتى هذه اللحظة.

عادة ما كانت السكك والفرجان بالأمس تشهد حركة نشطة قبل الفطور في رمضان، أبطالها الأبناء، حاملين الأطباق المتعددة؛ لتقديمها نقصة لجيرانهم، وأقاربهم ممن هم حولهم.

ونقصة رمضان قديمًا بسيطة جدًا من أكل البيت، وغير مكلفة، وتكون من مأكولات رمضان الشعبية كأطباق الهريس، أو الجريش، أو اللقيمات، وماشابه ذلك.

وهذه العادة الرمضانية زادت من الروابط والتواصل الاجتماعي، وأثبتت مدى التقارب الأسري بين العائلات، والجيران؛ مما زاد من أواصر الألفة والمودة بينهم، وهي من الوصايا التي أوصانا بها الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه حين قال: ((ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه)). وهذه عادة جميلة ارتبطت بشهر رمضان الفضيل، حيث نجد ربات البيوت من أمهاتنا وجداتنا عندما كن يقمن بإعداد وجبة الفطور لعائلاتهن؛ كانت ربة الأسرة تقوم باستنقاص جزء من هذه الوجبة من أجل إرسالها إلى جارتها نقصة.

ونقصة رمضان فقدت شكلها التقليدي البسيط، ودخلت عليها لمسات الحداثة إلا أنها لم تفسد قيمة النقصة.

أطال الله عمر من بقي، ولمن رحل نسأل الله لهم الرحمة، والمغفرة، وأن يجزل لهم المثوبة والأجر، وللحديث عن حارتنا الجميلة بقية -بمشيئة الله تعالى-.

التعليقات مغلقة.