العيد فرحة عظمى

Estimated reading time: 17 minute(s)

كتب للأحساء اليوم : د.عمر بن عبدالعزيز السعيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد: فإن دين الإسلام دين الفطرة، جاء ليروي نفس المسلم: تزكية لروحه، ورقيًا لسلوكه، وترويحًا لنفسه، والعيد في الإسلام من مظاهر الفرح والسرور والأنس والسعادة؛ فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: (كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: كان لكم يومان تلعبون فيهما وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى) رواه النسائي، وصححه الألباني.

ولي مع فرحة العيد ثمان وقفات:

الوقفة الأولى: ارتباط الفرح بالعيد بأداء العبادة؛ فعيد الفطر يأتي بعد أداء المسلمين لعبادة الصيام -الركن الرابع من أركان الإسلام- وما يصاحبه من صدقات في شهر رمضان، وأداء للعمرة، وصلاة التراويح، وقراءة القرآن؛ فقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (للصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه) رواه البخاري.

وعند الانتهاء من إكمال عدة الصوم يفرح المسلم لأدائه هذه العبادة، وأن الله بلَّغه تمام الشهر، وأعانه على صيامه وقيامه، كما أن عيد الأضحى يأتي بعد أداء المسلمين لشعيرة الحج -الركن الخامس من أركان الإسلام- وما يصاحبه من صيام ليوم عرفة، وصيام ما قبله من أيام ذي الحجة، والتقرب إلى الله تعالى بالهدي والأضاحي، وإقبال المسلمين على أنواع الطاعات والعبادات.

قال العلامة ابن عابدين -رحمه الله- : “سمي العيد بهذا الاسم؛ لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان أي أنواع الإحسان العائدة على عباده في كل عام: منها الفطر بعد المنع عن الطعام، وصدقة الفطر، وإتمام الحج بطواف الزيارة، ولحوم الأضاحي وغير ذلك، ولأن العادة فيه الفرح والسرور والنشاط والحبور غالبًا بسبب ذلك”. حاشية ابن عابدين، (2/165-167).

الوقفة الثانية: من مظاهر الفرح إقامة صلاة العيد بهذا الاجتماع الكبير؛ إذ يخرج الرجال والنساء حتى من لا يصح منها أداء الصلاة كالحائض؛ لاستماع الخطبة، ويخرج الصغار من الذكور والإناث؛ لأداء صلاة العيد في الصحراء، فعن أم عطية، قالت: (أَمَرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن نخرجهن في الفطر والأضحى، العواتقَ والحُيَّضَ وذواتَ الخدور، فأما الحُيَّض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: لتلبسها أختها من جلبابها) رواه مسلم. والعواتق: البنات الأبكار المقاربات للبلوغ، وذوات الخدور: يقصد بهن الجواري الأبكار، قال السفاريني: “معتمد مذهبنا: لا بأس بحضور النساء صلاة العيد، غيرَ مطيبات، ولا لابساتٍ ثيابَ زينة أو شهرة… ويعتزلْنَ الرجال، ويعتزل الحُيَّض المصلى بحيث يسمعن الخطبة”. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (3/ 218).

الوقفة الثالثة: من مظاهر الفرح بالعيد التكبير ليلة العيد، والجهر به في الطرقات، والأسواق، فعن نافع، “أن ابن عمر كان يغدو إلى العيد من المسجد وكان يرفع صوته بالتكبير حتى يأتي المصلى، ويكبر حتى يأتي الإمام”. السنن الكبرى للبيهقي (3/ 394).

قال ابن قدامة -رحمه الله- : “يستحب للناس إظهار التكبير في ليلتي العيدين في مساجدهم ومنازلهم وطرقهم، مسافرين كانوا أو مقيمين؛ لظاهر الآية المذكورة، قال بعض أهل العلم في تفسيرها: لتكملوا عدة رمضان، ولتكبروا الله عند إكماله على ما هداكم. ومعنى إظهار التكبير رفع الصوت به، واستحب ذلك؛ لما فيه من إظهار شعائر الإسلام، وتذكير الغير… واختص الفطر بمزيد تأكيد؛ لورود النص فيه”. ينظر: المغني، (3/255).

الوقفة الرابعة: من مظاهر الفرح بالعيد التهنئة التي تحصل بين المسلمين؛ حيث يلتقي بعضهم ببعض، ويهنئ بعضُهم بعضًا، “قال أحمد -رحمه الله- : ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد: تقبل الله منا ومنك”. المغني، (3/294).

وأجاب الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- لما سئل عن التهنئة في العيدين: “أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: تقبل الله منا ومنكم، وأحاله الله عليك، ونحو ذلك، فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه ورخص فيه، الأئمة، كأحمد وغيره”. الفتاوى الكبرى، (2/371).

ومن الصور المشرقة ما نجده من اجتماع الأسرة أيام العيد، والتقاء أهل الحي في العيد بالمسجد، وفتح الأمراء والعلماء والوجهاء مجالسَهم لاستقبال المهنئين لهم بالعيد، [في غير حالة الوباء التي يمر بها العالم] وكم أزالت فرحة العيد من شحناء بين متخاصمين، وكم سلّت من سخيمة بين متشاحنين.

الوقفة الخامسة: استحب الفقهاء -رحمهم الله تعالى- لبس أحسن الثياب في العيدين، والتجمل: بالاغتسال والتنظف والتطيب، والتوسعة على العيال، كالذهاب بهم إلى أماكن اللعب واللهو المباح، وهذه لفتة جميلة منهم؛ ليعيش الأهل والأولاد فرحة العيد بما يقدم لهم ما لذ وطاب من أنواع الأطعمة والأشربة المباحة؛ ولذا جاء النهي عن صيام يوم العيدين، كما في الصحيح، وكما ورد النهي عن صيام أيام التشريق؛ لأنها أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى.

قال العلامة منصور البهوتي -رحمه الله- : ((يسن أن يخرج على أحسن هيئة من لبس وتطيب ونحوه كتنظيف؛ لما روى جابر قال: (كانت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة) رواه ابن خزيمة في صحيحه، كما يسن يوم العيدين التوسعة على الأهل والصدقة على الفقراء؛ ليغنيهم عن السؤال))، ينظر: كشاف القناع، (2/52).

الوقفة السادسة: ومن مظاهر الفرح بالعيد الغناء المباح، بأجمل الشعر، وأعذبه، وما فيه من معان سامية تحث على مكارم الأخلاق، وجميل الصفات، ولو صاحبها ضرب للدف، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا)، وفي رواية أخرى عنها رضي الله عنها: (أن أبا بكر، دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى، تغنيان وتضربان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، وقال: دعهما يا أبا بكر؛ فإنها أيام عيد)، رواهما مسلم.

الوقفة السابعة: أن العيد مناسبة سعيدة، والسعادة إنما تكون بالإيمان، وتقوى الرحمن، والمؤمن يرجو أن تكون صحائفه قد أشرقت بياضًا بمغفرة ربه له في رمضان أو العشر الأوائل من ذي الحجة، فحريٌّ بالمؤمن أن يحافظ على دينه، ولا يسوِّد صحيفته بالآثام، وخصوصًا بعدما ذاق لذة الطاعة، وفرح بتمامها، فلا يبصر ولا يسمع ولا يطعم ولا يشرب ولا يلبس إلا ما يرضي ربه سبحانه.

الوقفة الثامنة الأخيرة: حتى تتحقق الفرحة لجميع شرائح المجتمع، فقد أزالت الشريعة كل ما يعكر صفو الفرح بالعيدين، فلما كان الفقر الذي يصيب بعض المسلمين قد يحول بينهم وبين فرحة العيد، جاءت مشروعية الصدقة في العيد -كما جاء الأمر بها في خطبة العيد- ووجوب إخراج زكاة الفطر قبل عيد الفطر، وتوزيع الأضاحي في عيد الأضحى؛ لتسد حاجة الفقراء في تلك الأيام السعيدة، مما يجعلهم يشاركون الناس فرحة العيد، من غير منغص لتلك الفرحة، بل يجعلهم يستبشرون بقدوم العيد، فبقدومه يقدم الخير والعطاء والإحسان إليهم.

فلنحرص على إظهار الفرحة بالعيد، ولنحتسب الأجر عند الله تعالى بما نبذله من أموال؛ توسعة على العيال والفقراء.

أعاده الله علينا وعليكم وعلى ولاة أمرنا وبلادنا وبلاد المسلمين بالخيرات والمسرات وقبول الصالحات، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأجمعين.

بقلم: د.عمر بن عبدالعزيز السعيد

أستاذ الفقه المشارك بكلية الشريعة بالأحساء

التعليقات مغلقة.