نماذج من الحراك الثقافي في مدينة المبرز في القرن الخامس عشر الهجري (الحلقة الثالثة) 

Estimated reading time: 15 minute(s)

كتب للأحساء اليوم: عبدالله بن عيسى الذرمان

تعد المكتبات الخاصة والمكتبات التجارية من الصور المهمة للمشهد الثقافي، فالإقبال على القراءة واقتناء الكتب وقضاء الأوقات في رحاب الكتب دليل وعي وشاهد على القوة الفكرية. وشهد القرن الرابع عشر الهجري حرصًا على تكوين المكتبات الخاصة ولاسيما عند العلماء وطلاب العلم والمتعلمين وبذلوا أموالًا كثيرة في سبيل تملك الكتب، واغتنموا رحلاتهم إلى الهند والحجاز والبحرين والعراق في الحصول على ما لبَّى رغباتهم العلمية وممن كان له نهم في اقتناء الكتب الشيخ أحمد بن حمد العمير المالكي إمام وخطيب جامع قرية الجفر ثم إمام مسجد الغنام بمدينة المبرز، وقد آلت إليه عدة كتب في الفقه المالكي والأخلاق والأدب وكان منها ما طبعه أهل البحرين؛ مما دل على الاحتكاك الثقافي بينه وبين علماء البحرين وتجارها. وفي القرن الخامس عشر لم تنطفئ شمعة المكتبات الخاصة فاحتوت بعض المنازل على خزائن ضمت بين جنباتها كتبًا مخطوطة وكتبًا مطبوعة ومن المكتبات الخاصة مكتبة أسرة آل عبدالقادر وهي من مفاخر أهل الأحساء لكونها من أنفس المكتبات في شبه الجزيرة العربية، وبلغ عدد مخطوطاتها أكثر من 230، ومكتبة السيد محمد بن السيد حسين العلي السلمان، ومكتبة الشيخ محمد بن صالح السعد إمام مسجد حطاب وقد ورثها من والده العلامة الشيخ صالح بن محمد السعد، ومكتبة الشيخ الزاهد عبدالله بن محمد العكلي، ومكتبة الواعظ الشيخ عبدالعزيز بن محمد البطي وحوت بعض الكتب المخطوطة وجمع بعضها من مكة المكرمة وعمان، ومكتبة الشيخ عبدالوهاب بن عبداللطيف الصالح إمام مسجد الرملة، ومكتبة الأديب سلمان بن محمد الكرود، ومكتبة الوجيه الأستاذ عبدالعزيز بن محمد الموسى، ومكتبة الدكتور سعد بن عبدالله البراك وكيل جامعة الملك فيصل للدراسات العليا والبحث العلمي سابقًا ومن ضمنها كتب مكتبة الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن عبداللطيف البراك من مشايخ الأحساء في القرن الرابع عشر الهجري كما أخبرني بذلك الأستاذ عبدالعزيز بن محمد البراك، ومكتبة الأستاذ صالح بن أحمد السليم وهو ممن تولى قراءة كتب الحديث في مدرسة آل سعد الكائنة في حي العيوني، ومكتبة الأستاذ علي بن حسين الطبيلي،  ومكتبة الشيخ إبراهيم بن محمد القروني، ومكتبة الشيخ سعود بن يوسف الخماس.

 وضمَّت بعض المساجد مجموعة من الكتب؛ لتكون في متناول أيدي الراغبين في التحصيل مثل مكتبة جامع الإمام فيصل بن تركي ومكتبة المسجد المقابل لمدرسة الإمام الترمذي؛ فقد أخبرني الدكتور ياسر بن عبدالعزيز الربيع، بأنه رأي عدة كتب بالمسجد ومنها: كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني، وكتاب شرح ألفية العراقي، وكتاب التاريخ الكبير للإمام البخاري. ومن المكتبات مكتبة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز التي كانت ملحقة في جامع محاسن أرامكو بالوحدة الأولى وأشرف عليها الشيخ محمد بن سالم المقهوي، وكان لها دور في الحراك الثقافي والتربوي والاجتماعي فقد عمل الشيخ محمد على غرس حب المطالعة في نفوس الناشئة والتوسع في التدريب على المهارات كالخطابة وتلخيصات الكتب.

وأما المكتبات التجارية فقد أسست في مدينة المبرز مجموعة من المكتبات كان من ضمن نشاطها بيع الكتب، وأقدم ما اطلعت عليه لوجود هذا النوع في المبرز يعود إلى النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، حيث كان في قيصرية سوق المبرز مكتبة، ومكتبة أخرى في موقع آخر، وفي القرن الخامس عشر ظهرت مكتبة الدار الوطنية الجديدة، ومكتبة القيروان، ومكتبة النصر، ومكتبة الفرزدق، ومكتبة الظلال، ومكتبة أسامة الثقافية، ومكتبة المنار، ومكتبة الضامر، ومكتبة الفتح، ومكتبة جرير. ولم يقتصر نشاطها على بيع الكتب فكانت تباع فيها الأدوات المكتبية والقرطاسية، وتباع المجلات والصحف مثل: المجلة العربية الثقافية، ومجلة الدارة التاريخية ومجلة الدرعية التاريخية، ومجلة الصقر القطرية، ومجلة العربي الكويتية، ومجلة المجتمع الكويتية، ومجلة ماجد الإماراتية، وجريدة اليوم، وجريدة الجماهير الكويتية، وجريدة المسلمون، وجريدة الشرق الأوسط. وتميّزت الدار الوطنية الجديدة للنشر بقيادة الأستاذ عبدالعزيز بن حسن الجبر بدور ريادي يذكر فيشكر وهو تبني طباعة بعض الكتب التي تخدم الأحساء تاريخًا وعلمًا، ومما نشر عن طريقها كتاب صفحات من تاريخ الأحساء وكتاب الأحساء أدبها وأدباؤها وكلاهما للأديب الأستاذ عبدالله بن أحمد الشباط، وكتاب الأحساء عبر أطوار التاريخ للأستاذ خالد بن جابر الغريب، وكتاب أعلام من الأحساء للأستاذ عبدالرزاق بن عبدالله البابطين، وكتاب من أعلام مدينة المبرز. وكان في نادي الفتح الرياضي مكتبة للقراءة وللجنة الثقافية بالنادي منذ كان في بيت الوجيه أحمد بن داود المغلوث إلى انتقاله إلى المبنى الحالي مشاركة في دعم الثقافة عامة والثقافة الرياضية خاصة؛ فقد صدر عنه مجلة الفتح الرياضية وطبع منها عددان وتولى تحريرها الأديبان الأستاذ وليد بن سليم السليم والدكتور خالد بن قاسم الجريان، وأدعو القائمين الفضلاء على النادي إعادة إصدارها لتكمل رسالتها التوثيقية الجميلة.

وحرص بعض مديري المدارس على دعم مكتبات المدارس من مطبوعات التراث العربي والإسلامي لتنمية مهارة القراءة عند الطلاب وربطهم بالموروث، وممن اشتهر بذلك الشيخ سعد بن عبداللطيف العصيل، فقد كتب رسالة إلى الشيخ يوسف بن راشد آل الشيخ مبارك؛ لإمداد المدرسة التي كان مديرًا لها ببعض مطبوعات آل ثاني حكام قطر.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض المنازل لم يكن بها مكتبات كبيرة ولا يعني هذا خلوها من الكتب فقد وجدتُ عند كبار السن من الرجال كتب قديمة طُبعت في أماكن مختلفة كالهند والقاهرة وبغداد والبحرين ومكة المكرمة، وتعددت اتجاهاتها وفنونها، وتميزت بصفرة أوراقها وبطباعتها الحجرية. ومما برز إقبال بعض المثقفين على اقتناء كتب الروايات والقصص والمسرحيات وكان هذا الاقتناء موجودًا في أواخر القرن الرابع عشر لكنه محدود جدًا، وأذكر أني اطلعت في إحدى المكتبات بالمبرز على بعض الروايات التي كتبها الأديب الكبير المنفلوطي واستقاها من الكاتب أدمون.

ولم تكن المرأة المبرزية بمنأى عن الكتاب لكن بما يرتبط باهتماماتها التي انحصرت غالبًا في بعض الأدعية كدعاء ختم القرآن الكريم ودعاء ليلة النصف من شعبان، وبعضها في المولد النبوي الشريف والسيرة النبوية والمدائح النبوية، وأما في وقتنا المعاصر فشمل الاهتمام عدة علوم بحكم التوسع في تعليم المرأة وزيادة حجم المشاركة الفكرية والاجتماعية.

ومن صور الحراك الرسالة الثقافية للمراكز الصيفية التي أقيمت في بعض المدارس في العطلة الصيفية، فهي لم تكن مقرًا للتجمع وإقامة الانشطة الترويحية والأنشطة الاجتماعية، إذ أقيمت في رحابها أنشطة ثقافية، ومن الأنشطة المنافسات المسرحية التي نفذت في المركز الصيفي بمدرسة الإمام النووي فقد كشفت عن مواهب تمثيلية بل بعض المسرحيات كتب نصوصها شباب أحسائيون، وكان ممن حضر المنافسات الدكتور محمد بن صالح العلي (رحمه الله تعالى) مدير المركز آنذاك، وصدر عن بعض المراكز صحف ومجلات أبرزت موهبة في الإخراج والتصميم والتحرير والكتابة، وأذكر من الإصدارات الجيدة صحيفة الرصيد التربوي وصدر منها عددان.

وإلى اللقاء في الحلقة المقبلة بإذن الله تعالى.

التعليقات مغلقة.