شارع أرباط القديم في موسكو شاهد على التاريخ

Estimated reading time: 11 minute(s)

موسكو – أحمد فايز

يُعد شارع أرباط القديم في موسكو واحدًا من أقدم وأشهر الشوارع السياحية التي يقبل عليها السائحون للتجوال ولشراء الهدايا التذكارية، طوله يصل إلى 800 م، لكن تاريخه يمتد لأكثر من 500 عام، يبدأ من الطريق الدائري (صادوفا) في وسط العاصمة، عند وزارة الخارجية الروسية وحتى ميدان جوجلفسكى بولفارد، تغير شكله ومبانيه على مر العصور، بدأ كمنطقة خارج أسوار المدينة، مكان تربط عنده الخيول في القرن الخامس عشر، ثم تحول إلى شارع تجاري في القرن السابع عشر، وأصبح في نهاية القرن الثامن عشر أحد أكثر شوارع الأرستقراطية والمثقفين، كل مبنى وكل قصر في هذا الشارع له تاريخ حافل، ففيه عاش كبار الشخصيات والنبلاء والقادة العسكريون والسياسيون والمفكرون والأدباء والفنانون والشعراء من أمثال بوشكين وتولستوي ودوستويفسكي وغوركي ويسينين، وعشقه وغنى له المغنى والشاعر بولات أكودجافا (وهو من ساكني شارع أرباط القديم) في إحدى قصائده فقال: “آه أرباط.. يا أرباطى.. أنت رسالتي.. وسعادتي ومأساتي.. من حبك.. لا يمكن لي أن أشفى أبدا.. رغم أني أعشق أربعين ألفًا”.. سنأخذكم في جولة سريعة للتعرف على شارع أرباط القديم، وهل صحيح أن أصل اسمه عربي؟

 

أصل التسمية:

أرباط اسم قريب على الأذن العربية وبعيد تمامًا عن أي كلمة في اللغة الروسية، ويعتقد أغلب علماء اللغة الروسية أن كلمة أرباط قد اشتقت من كلمة عربية تعنى الرباط، وقد تكون من مشتقة من كلمة “أربا” من اللغة التاتارية أي عربة، وارتبط الاسم بالتتار الذين أقاموا في هذه المنطقة عندما زاروا موسكو، على أي حال اسم “أرباط القديم” أطلق على المنطقة القريبة من أسوار المدينة (الأسوار القديمة المحيطة بالكرملين) في بداية نشأتها في القرن الخامس عشر، حيث كانت عربات الخيل تربط الخيول على الأسوار قبل دخول المدينة، وفي عصرنا الحاضر شارع “أرباط القديم” موازٍ لشارع “أرباط الجديد” الذي ظهر في عصر الشيوعية مع خطة تحديث المدينة.

 

شارع أرباط القديم شاهد على التاريخ:

شهد أرباط تغييرات اجتماعية نوعية كبرى عكست التحولات التي طرأت على المجتمع الروسي ككل، فقد بدأ كمنطقة خارج أسوار المدينة أقام فيها الحرفيون وسواس القيصر ومنظفو مداخن قصر القيصر (الكرملين) في القرن الخامس عشر، ومع مرور الزمن عاش فيه الأمراء والنبلاء وكبار موظفي البلاط والتجار الكبار في أواخر القرن الثامن عشر، مبعدين بذلك القسم الأكبر من الحرفيين وصغار التجار، مما يعتبر شاهدًا على التغييرات التي حدثت في المجتمع الروسي آنذاك في تطوره واتساع مداه الديموغرافي ونشاطه الحياتي في مفارقات سلم المكانة الاجتماعية.

مر منه نابليون بونابرت بجيشه متجهًا إلى الكرملين أثناء حملته العسكرية على روسيا عام 1812م، ودمّر حريق هائل معظم مباني موسكو، وبعد انسحابه وانتصار الجيش الروسي، وبالطبع احترقت معظم مباني شارع أرباط القديم، وتم إعادة بناء جزء كبير من المباني فيه من جديد على الطراز المعماري الكلاسيكي، واصطفت قصور النبلاء وضباط الجيش والتجار في شارع “أرباط القديم”، وحوّلته إلى أرقى مناطق موسكو وأغلاها، والتي لا تزال قائمة وباهظة الثمن حتى يومنا هذا.

مع نهاية القرن التاسع عشر عكس شارع “أرباط القديم” التحولات الاجتماعية الحاسمة فغدا مركزًا رئيسيًا للنقابات المختلفة ولنشاطات الثوريين والمفكرين، وظهرت فيه مكتبة ضخمة فعالة تم إغلاقها بعد حين؛ مما يشير إلى أنه كان مرآة للواقع السياسي الاجتماعي المتغير بسرعة في الإمبراطورية الروسية آنذاك.

في القرن العشرين ومع بداية البيريسترويكا، اكتسب الشارع زخمًا كبيرًا، حيث أصبح ساحة للتيارات الفنية والسياسية المختلفة، التي جاءت من كل حدب وصوب للتعبير عن أفكارها، فلا تكاد تسير بضعة أمتار دون أن تستمع إلى عزف الموسيقيين أو ترى لوحات الرسامين الهواة، أو تجمعات لبعض أفراد المجتمع حول شخص يخطب فيهم.

وما زال شارع “أرباط القديم” محتفظًا بطابعه الروسي حتى يومنا هذا، حيث ترى فيه بعض قصور العصور الوسطى والتي تعبر عن الفن المعماري الجميل، جنبًا إلى جنب مع المطاعم بكافة أنواعها وجنسياتها، وتسابقت الماركات العالمية لشراء المتاجر، وخصوصًا متاجر المشغولات اليدوية الروسية التي تبهر السياح، ولهواة القراءة توجد منصات كثيرة لبيع الكتب الفنية والسياسية بل وحتى الكتب النادرةق ويجد فيه عشاق اللوحات الفنية ضالتهم، ولا تستعجب إذا تقابلت مع أحد أعضاء البعثات الدبلوماسية العربية في شارع “أرباط القديم”، فهم يفضلون تناول الغداء أو العشاء في المطاعم الحلال المنتشرة على طول الشارع.

هذه السلسلة من المقالات عن السفر والسياحة في روسيا تحت نافذة”روسيا التي لا تعرفها” تنشرها صحيفة الأحساء اليوم، بالتعاون مع المرشد السياحي أحمد فايز، وهو مصري عربي روسي، يعيش في موسكو منذ أكثر من 25 عامًا، ويعمل هناك مرشدًا سياحيًا باللغة العربية؛ وتهدف إلى إثراء الحصيلة المعرفية للقارئ العربي ومساعدته على التعرّف على روسيا عن قرب.

التعليقات مغلقة.