“السموفار”.. من أبرز ملامح الضيافة الروسية

Estimated reading time: 11 minute(s)

موسكو – أحمد فايز

السموفار هو عبارة عن وعاء معدني كبير يستخدم لغلي الماء اللازم لإعداد الشاي في روسيا، وكلمة سموفار في اللغة الروسية معناها الحرفي “ذاتي الغلي”.

يوضع دائمًا في وسط مائدة الشاي، وإلى جانبه إبريق لتحضير منقوع الشاي المركز، حيث يعد شاي شديد التركيز؛ ليقوم كل شارب بصب ما يناسبه في فنجانه منه وتزويده بماء مغلي من السموفار، وتقدم قطع السكر الصلبة مع الشاي، لم يكن السكّر يذوّب سابقا مع الشاي، إنما كانت قطعة الصلبة توضع في الفم فيذيبها الشاي ما جعل المذاق حلواً، كان سعر بيع الساموفار مساويًا تقريبًا للسلاح، وعلى مدار التاريخ أمضت العائلات الروسية ساعات على المائدة في شرب الشاي من الساموفار وتناول الحلوى التقليدية الروسية، ويعتقد العديد من الروس أن الساموفار الخاص بهم يتواصل معهم، وأن لكل سموفار روحه الخاصة به، ربما يكون ذلك بسبب الأصوات التي تصدر من السموفار عند غلي الماء فيه، حيث إن كل سموفار ينتج صوتًا مختلفًا.

الساموفار في نبذة تاريخية:

في البداية، بدأ تصنيع الساموفار من الحديد وطلائه من النيكل أو النحاس، مع زخرفة الوعاء ونحت المقابض والصنابير، حيث أضاف ذلك العمل اليدوى رونقاً خاصاً وعزز المصنع الذي أنتجته، وكان وزن الساموفار مهمًا أيضًا، فقد كانت النماذج الأثقل هي الأغلى ثمناً، وكان ذلك يعتمد على سمك جدران الوعاء، وكذلك على كمية النحاس الذي تم استخدامه لعمل التفاصيل المزخرفة على السطح، وكلما كانت الجدران سميكة فهذا يعني أن مدة صلاحية السموفار أطول ويمكن استخدامه لفترة أطول، كما كان يصنع من الفضة والذهب أيضاً، وقد أنتجت المصانع المختلفة أشكالًا مختلفة من الساموفار وصل عددها إلى نحو 150 نوعًا وشكلاً مختلفًا من أشكال الساموفار، وتم تصديره إلى أوروبا في القرنين الـ 18 والـ19.

اشتهر الساموفار في روسيا عندما قام الأخوان “إيفان ونزار ليسيتسين” بصنع السماور في أول مصنع كبير للساموفار في مدينة تولا،؛ اعتماداً على ورشة عمل أسسها والدهم صانع السلاح فيودور ليسيتسين، ففي وقت فراغه قام ببناء ورشته الخاصة ومارس جميع أنواع أعمال الخراطة والنحاس، تلك المدينة التى عاش فيها أمهر الحرفيين والحدادين، وكانت كل قرية حول المدينة تتخصص في بعض الأحيان في صنع جزء واحد فقط من الساموفار، ومنها انتشرت صناعة الساموفار فى باقى المدن الروسية مثل: سانت بطرسبرغ، موسكو، فلاديمير، ياروسلافل، ولكن لمدة قرنين من الزمان كان الساموفار وتولا لا ينفصلان عن بعضهما البعض.

استمر استخدام الساموفار خلال سنوات الاتحاد السوفيتي، خاصة في المناطق الريفية، وفي الوقت الحاضر، تم استبدال أغصان الشجر بالكهرباء، ولا يزال للسموفار وجود قوي في حياة الروس كعنصر تذكاري يتم عرضه في مكان بارز في المنزل.

كيف يعمل ساموفار؟

يحتوي الساموفار على أنبوب عمودي مملوء بفروع أشجار الصنوبر يتم إشعالها لتسخن الماء، ثم يوضع إبريق الشاي مع الشاي الناشف في الأعلى والتى تسمى بالروسية “زا فاركا”، ويتم تسخينه بواسطة الهواء الساخن المتصاعد، في حالة عدم استخدامها لصنع الشاي، يظل الساموفار ساخنًا ومصدرًا للتدفئة وللمياه المغلية، الهدف من النظام بأكمله هو تناول الشاي عند الطلب طوال اليوم لعدد كبير من الناس من خلال وجود الماء فقط في الجزء المعدني والشاي المركز في الإبريق.

ثلاثة أسباب وراء شعبية الساموفار في كل من روسيا وخارجها في القرنين الـ 18 والـ 19:

اقتصادية: الساموفار له هيكل معقد وعادة ما يتكون من 17-20 جزءًا، وإجمالًا كان هيكل الساموفار عبارة عن مزيج من كل علوم المعرفة التي كانت موجودة في ذلك الزمان للحفاظ على أكبر قدر ممكن من الطاقة، حيث إن أنبوب التدفئة محاط بالكامل بالماء الذي يتم تسخينه، ومن ثم تنتج أكبر كمية ممكنة من الطاقة دون فقد الكثير من الطاقة.

ماء نقي: في أثناء عملية تسخين الماء في الساموفار تحدث عملية تليين الماء، مع انخفاض الترسبات إلى أرضية الوعاء؛ هذا يعني أن الماء المغلي الخارج من صنبور الساموفار نقي ناعم ولا يحتوي على أي ترسبات.

سهولة التسخين وإمكانية مراقبة مراحل تسخين الماء طوال العملية؛ نظرًا للأصوات التي تصدر عن الساموفار عندما يبدأ تسخين الماء، والتي يقول عنها الروس إن الساموفار بدأ يغني، ثم يصدر صوتًا معينًا آخر عند بداية الغليان، وبمجرد سماع ضجيج؛ فذلك يعني أن الشاي جاهز ويسمونها مرحلة “الربيع الأبيض”.

أهمية الساموفار الثقافية:

هو تقليد ثقافي روسي حافظ على الهوية الروسية، حيث يدل شرب الشاي وتناول الخبز والفطائر والمربى والعسل على أبرز ملامح الضيافة الروسية، ومن الجيد مناقشة الأمور المهمة ومشاركة الأخبار والتواصل والتشاور في أثناء تناول الشاي مع الروس من الساموفار.

 

هذه السلسلة من المقالات عن السفر والسياحة في روسيا تحت نافذة”روسيا التي لا تعرفها” تنشرها صحيفة الأحساء اليوم، بالتعاون مع المرشد السياحي أحمد فايز، وهو مصري عربي روسي، يعيش في موسكو منذ أكثر من 25 عامًا، ويعمل هناك مرشدًا سياحيًا باللغة العربية؛ وتهدف إلى إثراء الحصيلة المعرفية للقارئ العربي ومساعدته على التعرّف على روسيا عن قرب.

التعليقات مغلقة.