الداتشا الروسية.. نمط حياة شعب بأكمله

Estimated reading time: 14 minute(s)

موسكو – أحمد فايز

الداتشا هي كلمة في اللغة الروسية تعنى هبة أو منحة، تطلق على قطعة أرض عليها بيت صغير مع حديقة، وتقع خارج المدن الكبرى للاسترخاء والابتعاد عن ضجيج المدينة، وفيها يمكن ممارسة رياضة السباحة في البحيرات أو الذهاب لصيد الأسماك وأيضًا زراعة بعض أنواع الفواكه والخضروات، إضافة إلى تنفس الهواء النقي بين الغابات وأحضان الطبيعة، لكنها ليست مجرد كلمة روسية فقط أو مكان عادي وإنما هي نمط حياة عند الشعب الروسي كله، وفي السطور التالية سنتعرف على أصل الكلمة وقصة الداتشا.

القرن الثامن عشر: الداتشا – هدية إمبراطورية

ظهرت الداتشا الأولى في روسيا في عهد الإمبراطور بطرس الأعظم، فقد كانت بمثابة مكافآت؛ لقاء الخدمة والتي بدأ القيصر بمنحها لرماة الأسلحة النارية من حرسه المقربين، فمنذ مطلع القرن السابع عشر، كان أفراد البلاط في العادة يسافرون إلى عِزَبِهم العائلية والتي غالبًا ما كانت تقع في مناطق نائية من روسيا لقضاء فصل الصيف هناك، وكان الطريق إليها يستهلك شهرًا بكامله أو أكثر أحيانًا، وبتوزيعه لقطع الأرض بالقرب من العاصمة سانت بطرسبرج سعى الإمبراطور لإبقاء رجال بلاطه في متناول اليد حتى في فصل الصيف، إضافة إلى أنه أراد أن يُعَلِّم الروس كيفية قضاء العطلة الصيفية على النمط الأوروبي دون الانقطاع عن العمل لفترات طويلة تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أشهر، وأيضًا كانت طريقة ذكية من قبل الإمبراطور لتعمير الأراضي ولتمهيد الطرق بين المدن الروسية، وأخذ الأغنياء يتنافسون في أبّهة بيوتهم الريفية التي غدت أشبه بالقصور؛ لذلك كانت الدشا الأولى عبارة عن عقارات رائعة بالقرب من سانت بطرسبرج وفي الطريق المتجه إلى موسكو.

القرن التاسع عشر: الداتشا – صالون للأدب

في العصر الذهبي للأدب الروسي، لم تكن الداتشا مجرد مكان للاسترخاء، كانت الحياة الثقافية على قدم وساق فيها، حيث كانت مكان التقاء الفنانين والشعراء والملحنين، وكان هناك طلب كبير على تلك البيوت الصيفية وساعد على ذلك ظهور السكك الحديدية في روسيا؛ فبدأت الطفرة الحقيقية للداتشا، حيث أخذ المزيد من أفراد الشعب يتوجهون إلى المدن الكبيرة لكسب المال والعيش فيها، وبرزت مشكلة السكن بحدة أمام كثيرين منهم، فباتوا ينظرون إلى الداتشا كفرصة للتمتع برحابة العيش ولو لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر بعيدًا عن زحمة المدينة وغرفها الضيقة.

بداية القرن العشرين: الداتشا – منتجع الشعب

في بداية القرن العشرين صادرت الحكومة السوفيتية العديد من البيوت الصيفية لعائلات النبلاء، قدمها الحزب بسخاء للطبقة العاملة للراحة، ولكن نظرًا لوجود عدد أكبر بكثير من ممثلي الشعب العامل مقارنة بالداتشا، كان بإمكان 50-70 شخصًا الراحة في نفس الوقت في البيت الريفي السابق لعائلة نبيلة، ولكن بدءًا من النصف الثاني من العشرينيات أخذت تظهر تعاونيات الداتشات، حيث قامت المؤسسات الكبيرة ونقابات العمال بتوزيع الأراضي على العمال الأعلى أجرًا، وكانت هذه الداتشات مكانًا لاستراحة المدرسين والمهندسين والكتاب والمسؤولين، إضافة إلى ذلك، كانت هناك داتشات حكومية خاصة ولم تكن هذه البيوت الريفية تمنح للأشخاص وإنما للمنصب الوظيفي، ولذلك كان سكانها يتبدّلون باستمرار، قبل الأربعينيات كانت الداتشا علامة على الانتماء إلى النخبة السوفييتية الجديدة، ولكن الوضع تغير بعد الحرب الوطنية العظمى 1945-41، وبالنسبة لكثير من الناس لم تعد قطعة الأرض الواقعة خارج نطاق المدينة مكانًا للراحة، بل وسيلة للبقاء على قيد الحياة، ففيها كان بوسعهم زرع الخضروات والفواكه للاكتفاء الذاتي، أما المواطنون العاديون فلم يكن بمقدورهم اقتناء داتشات خاصة بهم إلا في عهد نيكيتا خروشوف رئيس دولة الاتحاد السوفييتي.

في عهد نيكيتا خروشوف – 1953- 1964

بدأت تظهر في عهد نيكيتا خروشوف، ما يسمى روابط البستانيين، حيث كانت الدولة تمنح مساحات كبيرة من الأراضي للمؤسسات والمنظمات التي كانت بدورها توزع هذه الأراضي بين عامليها، ونظرًا للعدد المحدود لقطع الأرض، كان يتم تسجيل من 10 إلى 15 شخصًا في داتشا واحدة، حيث يمضون فترات الاستراحة بالتناوب فيما بينهم، وأصبحت الداتشا ذلك المكان الذي يقصده الناس في الربيع لزراعة البطاطس والجزر وفي الخريف لجني المحصول، ووضعت الدولة في ظل النظام الاشتراكي نظامًا فقد قامت بفرض قيود على المخصصات الممنوحة من الأراضي وحددتها بمقدار 0.15 فدان (أي ما يعادل 600 متر مربع) والتي أطلق عليها الناس تسمية “المئات الستة” بنى أصحابها فوقها بيوت صغيرة، فيما استخدموا الأرض الباقية لزراعة ما يحتاجونه؛ فكان معظم مالكي الداتشات يستخدمون الأرض المحيطة بالداتشا لزراعة الخضار وأشجار الفاكهة لمائدة العائلة، أو لزراعة الورود أو للاسترخاء فقط، إضافة إلى الحياة الخاصة فيها.

ما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.. فيلات وقصور في أحضان الطبيعة

واليوم بعد تفكك الاتحاد السوفيتى تحوّلت الداتشات إلى ملكية خاصة وتم تطويرها وتحوّلت إلى فيلات وقصور في أحضان الطبيعة؛ لم تتغير تقاليد الداتشا الروسية إلى يومنا هذا فالأسرة تسافر مجتمعة لقضاء فصل الصيف بكامله في الداتشا، وهناك تجتمع العائلة، ومع تطور الطرق وأنظمة التدفئة أصبح من الممكن العيش فيها طوال العام، وكانت ملاذًا صحيًا آمنًا في فترة حظر كورونا، فقد لجأ سكان المدن إلى الداتشا في بداية انتشار الوباء، حيث تمكنوا من ممارسة المشي والرياضة وحتى صيد الأسماك في البحيرات القريبة، دون وضع الكمامات أو حتى الاحتكاك بأي أشخاص غرباء، ودون الخوف من الإصابة بالفيروس.

كيفما كان حال الداتشا صغيرة كانت أم كبيرة، فاخرة أم متواضعة، ملكية خاصة أم تعود لأحد الأصدقاء، فإنها تحتل مكانة كبيرة في حياة الروس، وفضلًا عن ذلك فهي تشكّل بالنسبة للروس ثقافة كاملة، لتمضية إجازة الصيف فشرب الشاي في شرفة الداتشا، وأكل الفراولة الطازجة، والخيار المقطوف، والتفاح من الشجر مباشرة المزروع في حديقة المنزل، والسير إلى الغابة لجمع الفطر، كلها سمات لا تتبدل لنمط حياة الداتشا الروسي.

هذه السلسلة من المقالات عن السفر والسياحة في روسيا تحت نافذة”روسيا التي لا تعرفها” تنشرها صحيفة الأحساء اليوم، بالتعاون مع المرشد السياحي أحمد فايز، وهو مصري عربي روسي، يعيش في موسكو منذ أكثر من 25 عامًا، ويعمل هناك مرشدًا سياحيًا باللغة العربية؛ وتهدف إلى إثراء الحصيلة المعرفية للقارئ العربي ومساعدته على التعرّف على روسيا عن قرب.

التعليقات مغلقة.