رواية “آنا كارنينا” لتولستوي.. إحدى روائع الأدب العالمى

Estimated reading time: 14 minute(s)

موسكو – أحمد فايز

“كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة”.. هكذا افتتح الأديب ليو تولستوي روايته “آنا كارنينا” والتي استغرقت كتابتها خمس سنوات، ونُشرت لأول مرة في كتاب حمل نفس الاسم عام 1878م، وهي إحدى روائع الأدب العالمي وقد تُرجمت إلى معظم لغات العالم، ولذلك فقد حظيت منذ نشرها باهتمام أوساط الأدب والنقد، فكانت محور الدراسة في العديد من الأبحاث الأدبية والنقدية في مجال الأدب العالمي والأدب المقارن، وتراوحت آراء المثقفين والنقاد على اختلاف مدارسهم حول هذه الرواية بين الإعجاب والرفض، ومنهم من رأى فيها عصارة الفن الأدبي لتولستوي، والبعض الآخر أخذ عليها كثرة الأحداث الجانبية الثانوية التي تكاد في بعض الأحيان تطغى على القصة الرئيسة، لكنهم أجمعوا على أن رواية آنا كارنينا من أكثر الروايات إثارة للجدل في العالم، لكونها تطرح قضية اجتماعية، واجهت جميع المجتمعات الأوربية خصوصًا بعد الثورة الصناعية، وما تفشى من أمراض تتعلق بالمال وزيادة الاهتمام بالمادة لدى الطبقات الأرستقراطية فى تلك الحقبة الزمنية، وبين قصة حب آنا كارنينا، والمحاذير الأخلاقية والاجتماعية والدينية، تمضي الرواية التي تحمل اسم السيدة آنا كارنينا لتشرح علاقة حبها المحرمة، عبر بعض العائلات في روسيا، موضحًا صوّر تحولات القيم داخل الأسرة الروسية، مستحضرًا من خلالها شبكة العلاقات الاجتماعية، كما صوّر تولستوي الصراع الذي يجري في أعماق الإنسان بين العقل والعاطفة والروح والغريزة.

شخصيات الرواية الرئيسية:

آنا كارنينا:

آنا امرأة روسية حسناء تنعم برقي المكانة في طبقتها المخملية، وبكامل الحسن في طلعتها البهية التي تأخذ بالألباب، تحظى بتقدير كبير في المجتمع، وذات علاقات اجتماعية جيدة، ولها دور فعال فى حل الخلافات والمواجهات التي تنشأ بين أفراد عائلتها، وهي زوجة “كارنين”، الرجل المؤمن، صاحب المكانة المرموقة في المجتمع الروسي، فهو مسؤول كبير يعمل في حكومة سانت بطرسبرغ، ومتمسك بالعادات والتقاليد المجتمعية الأسرية والاجتماعية، ومنهمك بطموحاته في المناصب، وما يوصل إليها من بروتوكولات الثقافة والدين.

أليكسي فرونسكي:

ضابط ممشوق يفتن النساء بوسامته، فيحقق في دنيا الغرام انتصارات كبرى توازي طموحاته العسكرية، بالوصول إلى أعلى المناصب التي تعزز مكانته ومكانة عائلته بين النبلاء، لكن طموحاته ترتطم باستهتاره أمام سحر وجمال آنا كارنينا، المرأة المتزوجة التي تعاني الإهمال لتجد فيه الحبيب المنتظر.

أحدثت رواية آنا كارنينا دويًا في حينها ظل صداه يتردد حتى اليوم، حيث اعتبر صدورها تاريخ دخول الأدب الروسي أوروبا، ثم توالت طباعتها وتم تحويلها إلى أفلام سينمائية هوليوودية في 1996 وفي 2012. ففي عام 1970 لعبت الممثلة العالمية الفرنسية صوفي مارسو دور آنا كارنينا، وقبلها كان واحدًا من أجمل كلاسيكيات السنيما المصرية فيلم “نهر الحب” (1960) للمخرج عزالدين ذوالفقار والذي كان يجمع بين ثنائي عرفه تاريخ السينما المصرية وهما سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة وساحر السينما المصرية النجم عمر الشريف، إضافة إلى العظيم زكي رستم.

تدور أحداث الفيلم تاريخيًا في مطلع العام 1880، وفي مدينتي موسكو وبطرسبوج وبعض المناطق الريفية التابعة لهما ويمكن تليخصه في أربعة مشاهد:

المشهد الأول: تبدأ القصة بزيارة بطلة الرواية والشخصية المحورية آنا كارنينا، لمنزل شقيقها فى موسكو لتصلح الخلاف الذي جرى بينه وبين زوجته بسبب خيانة الزوج، واسْتَطَاعت بحنكتها أن تبعد تلك العاصفة عن بيت أخيها، لكنَّها أثناء عودتها بالقطار تقع في حب الضابط أليكسي فرونسكي، وهو فارس من عائلة نبيلة، حيث يلتقيان على نفس القطار فى طريق العودة من موسكو إلى سانت بطرسبرغ، وسرعان ما بدأت تتجاهل آنا زوجها، وأصبح فرونسكي كل حياتها، بعد عودتها إلى سانت بطرسبرغ خصوصًا بعد أن أخبرها أنه يريد الزواج منها إذا تطلقت من زوجها، وتستمر المقابلات بينهم إلى أن ينفضح أمرهما في المدينة، وفى إحدى المقابلات تخبر آنا حبيبها أنها حامل منه بطريقة غير شرعية، وتذهب ذات مرة لمشاهدة سباق للخيل، المشارك فيه فرونسكي وإذ به يسقط عن الحصان لكنه لم يصب بأذى، وتبدأ حالة من القلق والتوتر بينها وبين زوجها كارنين، فيقرر أن يُجبِر آنا على قطع علاقاتها بفرونسكي حتى يحفظ سمعته، ولكنَها لم تنصاع له، وتستمر في مقابلة فرونسكي.

المشهد الثانى: تلد آنا كارنينا وتوشك على الموت، فيغفر لها زوجها ولفرونسكي، فتقرر آنا أنها لن تستطيع ترك زوجها بعد نبله وكرمه، فيعود فرونسكي محطمًا ويحاول الانتحار، فتصيب رصاصةٌ قلبه، ولكنه ينجو بمساعدة أخته، لكن بعد أن تتعافى آنا تعود لكراهية زوجها وتطلب منه متابعة إجراءات الطلاق، فيعود إليها فرونسكي بعد أن يتخلى عن مهامه العسكرية.

المشهد الثالث: فرونسكي وآنا يخططان للسفر إلى إيطاليا سويًا، ولكنه سرعان ما يشعر أن علاقته بآنا تعيقه عن طموحه وأحلامه والحصول على مناصب في الجيش، يتغير تجاه آنا، وتقع فريسة غيرتها، وتشك في إخلاصه لها، بعد أن لاحظت فتوره، فيعودان إلى سانت بطرسبرغ، وتحاول آنا أن تبقي فرونسكي لها وحدها، لكنها تشعر بازدياد فتوره وبازدياد الشرخ في علاقتهما.

المشهد الأخير: يطغى شعور التعاسة على آنا وقد أدمنت المورفين، وتزداد شجاراتها مع فرونسكي ويقضي أوقاتًا أطول خارج المنزل، وتسقط في وحشة كبيرة، عندما تتيقن أنها باتت تكره فرونسكي وهو يبتعد عنها، فتخرج من المنزل، تحمل معها الفزع والبغض لجميع الناس وتعمى بصيرتها، وتستشعر مدى حقارة العالم حولها، فتذهب إلى محطة القطار التي كانت التقت فيها فرونسكي، وهناك تنظر إلى الحشود بذهول، وتلقي آنا بنفسها تحت القطار وتموت.

هكذا أنهى تولستوي أهم رواية في تاريخ الأدب وتركنا نبحث وندرس ونتعلم، ونستفيد من تجربة إنسانية عالمية، تأثر بها كل العالم بكل ثقافاته ودياناته ومعتقداته.

هذه السلسلة من المقالات عن السفر والسياحة في روسيا تحت نافذة”روسيا التي لا تعرفها” تنشرها صحيفة الأحساء اليوم، بالتعاون مع المرشد السياحي أحمد فايز، وهو مصري عربي روسي، يعيش في موسكو منذ أكثر من 25 عامًا، ويعمل هناك مرشدًا سياحيًا باللغة العربية؛ وتهدف إلى إثراء الحصيلة المعرفية للقارئ العربي ومساعدته على التعرّف على روسيا عن قرب.

التعليقات مغلقة.