المعبد العالمي في كازان.. ساحة تلاقي لكل الأديان

Estimated reading time: 13 minute(s)

موسكو – أحمد فايز

في ضواحي مدينة كازان عاصمة تتارستان إحدى أكبر المدن الروسية الواقعة على نهر الفولغا، يقع واحد من أهم المعالم السياحية، يجذب السياح إليه، يقفون أمامه وينظرون إليه بانبهارٍ وإعجاب، فهو نصب معماري غير عادي، بُنى في عصرنا الحالي، يطلق عليه اسم “معبد كل الأديان أو المعبد العالمي”، تم بناؤه في بلدة صغيرة تسمى “ستاروي أراكشينو”، على نهر الفولجا بالقرب من مدينة كازان، وتنعكس صور قبابه العجيبة بألوانها الزاهية على صفحة میاه النهر، لا تقام فيه أي نوع من الشعائر الدينية، فهو ليس مكانًا للعبادة، هو مجمع معماري فريد من نوعه يجمع بين تصميم المسجد والكنيسة والكنيس اليهودي والمعبد البوذي، إضافة إلى رموز 12 ديانة ومذاهب مختلفة مثل الكاثوليكية والبروتستانتية، والزارداشتية والهندوسية، والديانة المصرية القديمة، وغيرها.

 

وصف المعبد:

بُنى المعبد على أنقاض منزل ريفي يتبع لعائلة المصمم، واجهات المعبد عبارة عن قباب ومآذن وأبراج لها ألوان زاهية ومزخرفة، تمثل طُرزًا معمارية دينية مختلفة، تضم الطراز الإسلامي مع معالم الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية، يتوسطهم قباب متوجة بالهلال والصليب، إضافة إلى نجمة داوود، وعلامة ريريخ، وقبة صينية، وغيرها من الرموز التي ترمز إلى الديانات المختلفة.

أما في داخل المعبد فتجد مجموعة قاعات مختلفة في الشكل والتصميم، وغرف صغيرة الحجم، وتشاهد في إحدى القاعات آيات قرآنية مكتوبة على الجدران والأسقف تتبع الدين الإسلامي، وقاعة ثانية بيزنطية الشكل تبدو مثل أديرة الكهوف، مع أيقونات للسيدة العذراء مصنوعة من الفسيفساء الملون، وصورًا تجسد السيد المسيح بحسب المذهب الأرثوذكسي، وقاعة أخرى يتوسطها تمثال كبير الحجم مذهبًا لبوذا، وقاعة مصرية ذات نوافذ زجاجية ملونة مع جدران بيضاء مليئة بالسجاد، ويمكن تتبع عبادة إيزيس وأوزوريس في كل مكان فيها، وقاعة كاثوليكية تتميز بتصميم داكن إلى حد ما، وأسقف مقببة وأعمدة متقنة الصنع، ونوافذ نصف دائرية، وقاعة كبيرة للعروض المسرحية الفنية يشع فيها ضوء الشمس في الطقس الجيد، حيث النوافذ الضخمة المقوسة الخضراء، ولم ينسَ المصمم الروح المعمارية الروسية، حيث توجد غرفة الشاي وهي غرفة تقليدية مصنعة من الخشب تم تصميمها على الطراز الروسي القديم بها طاولة ومقاعد وساموفار ساخن لتقديم الشاي للزوار، إلى جانب غرفة نشأ فيها المصمم وهي جزء لا يتجزأ من المعبد، وبها متحف صغير يحتوي على بعض المقتنيات الخاصة بالمصمم، وبعض الأوراق بخط يده، معلق على جدرانها صور لوالديه.

 

فكرة إقامة معبد لكل الأديان:

فكرة إقامة معبد لكل الأديان هي أكثر تعقيدًا وأعمق بكثير من كونها مجرد مكان تجتمع فيه عدد من المعابد الدينية، حيث يصلي المسلمون والمسيحيون والبوذيون تحت سقف واحد كما يعتقد الكثيرون، بل هي حلم إنساني عظيم، محاولة إيجاد مساحة تلاقي بين مختلف الأديان والمعتقدات من أجل إيجاد قواسم مشتركة بينهم؛ حلم بجلب الإنسانية إلى الانسجام العالمي، وإن كان تدريجيًا في خطوات صغيرة، وكان من بين هذه الخطوات بناء معبد كل الأديان أو المعبد العالمي.

 

مؤسس معبد كل الأديان:

صاحب الفكرة ومؤسس معبد كل الأديان هو المهندس المعماري الفنان الفيلسوف “إيلدار خانوف” التتاري الأصل، رجل تمتع بموهبة روحية وإبداعية مذهلة، وكان حلمه أن لا يكون هناك كراهية بين البشر على أساس الديانة، والذي بدأ تنفيذ فكرته في عام 1994، بدأت قصة إيلدار بمعجزة عام 1940 عندما كان طفلًا صغيرًا حسب اعتقاده، فقد أمضى سنوات طفولته في فترة صعبة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، توفي اثنان من إخوته عام 1943، وكاد هو نفسه أن يموت بعد أن تعرض للموت السريري لمدة ثلاثة أيام، وبدأ أبواه تحضير مراسم دفنه لكنهما لم يعجلا بدفن الصغير، ففي اليوم الثالث عاد إلى الحياة بحسب ما تهيأ لأبويه، وعندما عاد للحياة قص عليهم أنه رأى رؤية مفادها أنه سيكون إنسانًا نافعًا، درس وتخرج من مدرسة كازان للفن، وكان كثير السفر إلى الدول الشرقية من أجل الدراسة، درس فنون شعوب الشرق، والبوذية، واليوغا وعلوم الطب في التبت والصين، ودائمًا كانت تراوده فكرة المعبد في أسفاره، واكتسب إيلدار القدرة على الشفاء الروحي، وعرف كيف يرى العالم بشكل مختلف، وحين عودته إلى وطنه روسيا، أراد أن يطبق فكرته.

وهكذا بدأ في تشييد معبد كل الأديان في عام 1994ووضع حجر الأساس في نفس موقع بيت عائلته القديم، بتمويل شخصي مع بعض التبرعات، وخصص كل وقته لبناء مشروعه، إضافة إلى عمله الفني في النحت، وعلى مدى 40 عامًا من العمل الإبداعي قام خانوف بصنع أكثر من 70 منحوتة، وقطع زخرفية ضخمة، هذا فضلًا عن مئات اللوحات التي تزين العديد من المتاحف الروسية وبعض الشوارع والميادين في العديد من مدن تتارستان.

كما عُرف عن خانوف مجهوداته الكبيرة في علاج مرضى إدمان الكحول وإدمان المخدرات وبعض الأمراض المختلفة، وفي الواقع فإن المرضى السابقين هم من ساعدوا في تطوير المعبد عن طريق المشاركة المباشرة في أعمال البناء أو من خلال تبرعاتهم، إلا أن خانوف توفي عام 2013 ولم يشاهد اكتمال المعبد العالمي.

واليوم أصبح معبد كل الأديان مركزًا ثقافيًا ومكانًا يقام فيه العديد من المعارض والفعاليات الخيرية والحفلات الموسيقية، ومعلمًا سياحي شهيرًا في مدينة كازان، يمكن زيارته ومشاهدة هذه الأعجوبة.

العنوان:

تتارستان، كازان، شارع ستاروأراكتشنسكايا، 4

الموقع الإلكترونى:

www.museum-1610.business.site

هذه السلسلة من المقالات عن السفر والسياحة في روسيا تحت نافذة”روسيا التي لا تعرفها” تنشرها صحيفة الأحساء اليوم، بالتعاون مع المرشد السياحي أحمد فايز، وهو مصري عربي روسي، يعيش في موسكو منذ أكثر من 25 عامًا، ويعمل هناك مرشدًا سياحيًا باللغة العربية؛ وتهدف إلى إثراء الحصيلة المعرفية للقارئ العربي ومساعدته على التعرّف على روسيا عن قرب.

 

التعليقات مغلقة.