بوليفارد موسكو.. شارع الفن والشعراء والتاريخ

Estimated reading time: 14 minute(s)

موسكو – أحمد فايز

عشرة شوارع وثلاثة عشر ميدان في قلب العاصمة موسكو، عبارة عن مزيج من فن العمارة والنحت وجمال الطبيعة، تأخذ شكل حدوة حصان على كلا الجانبين المواجهين لنهر موسكو، ويصل طولها إلى تسعة كيلومترات، وتُعد من أجمل الأماكن للتنزه صيفًا وشتاءً، والتي يمكن فيها التقاط صور مذهلة، حيث تنتشر أشجار الزيزفون على طول الشوارع العشرة، وتقع القصور الفخمة للنبلاء الروس من عهد الإمبراطورية الروسية، وعمارات مميزة بنيت للنخبة في عهد الاتحاد السوفيتى على جانبي شوارع بوليفارد موسكو، إضافة إلى نُصب تذكارية لبعض عمالقة الأدب الروسي مثل أنطون تشيخوف، ألكسندربوشكين، ويسنن، وأيضًا ممرات واسعة للمشاة، وحارات للسيارات، ومسارات للدراجات الحديثة، ومقاعد مريحة على طول جميع الشوارع، فضلًا عن أماكن تأجير الدراجات وملاعب الأطفال.

توجد أيضًا مسارح ومطاعم في هذه المنطقة منها مطعم وكافيه بوشكين الشهير، وهي مناطق ترفيهية رائعة لسكان موسكو ولضيوف العاصمة، تم تطويرها في القرن العشرين، إلى جانب العديد من الأعمال الفنية والمعالم التاريخية الأخرى في هذه الشوارع، وأكثرها جاذبية: جوجلفسكى بولفارد، نيكيتيسكى بولفارد، تفيرسكايا بولفارد، تشيستى بروديه، ستراسنوى بولفارد.. سنأخذكم فى جولة سريعة لنتعرف على تاريخها ولماذا أخذت شكل حدوة الحصان؟ وأهم ثلاثة شوارع فيها: (جوجلفسكى بوليفارد، نيكيتيسكى بوليفارد، تفيرسكايا بوليفارد).

 

نبذة عن تاريخ بوليفارد موسكو

نشأت هذه الشوارع على موقع الجدران المهدمة في موسكو قديمًا في نهاية القرن السادس عشر، حيث أمر القيصر فيودور إيفانوفتش بعمل جدار محصن على حاجز ترابي قوي، لحماية المدينة من غارات العدو، وبوابات للدخول والخروج والتي مازالت تحمل نفس أسمائها القديمة بالرغم من عدم وجودها حاليًا، وقد كانت المدينة محمية بجدار من ناحية، ومن ناحية أخرى نهر موسكو، الذي كان بحد ذاته عقبة، ومن ثم أصبحت المدينة محاطة بحلقة، تم بناؤها على شكل حدوة حصان لحماية المدينة، ومع تطور وتوسع موسكو تهدم الجدار ولم يعد له حاجة، وفي القرن الثامن عشر وبأمر من الإمبراطورة كاترينا الثانية، تم تفكيك بقاياه ولنشاء الحدائق وزرعت مجموعة أشجار الزيفون وأشجار البتولا في هذا المكان، وبمرور الزمن تغيير شكل الشوارع، ونمت الأشجار، وقد اتخذ اسم بوليفارد، وهو ذلك الشارع العريض الذي تقع وسطه الأشجار وممرات المشاة، ويقع الطريق على جانبيه، واهتمت كل الأنظمة والحكومات التي تعاقبت على الحكم في روسيا بتلك الشوارع العشرة بشكل مستمر، والذي تم تطويره كأحد الشوارع الرئيسية في وسط موسكو.

 

جوجلفسكى بوليفارد:

يبدأ عند البوابة القديمة للمدينة والتي كانت تسمى بيريتشيتستينكا وينتهي عند بوابة أرباط، تم إعادة تسميته جوجلفسكى بوليفارد عام 1924م خلال الاحتفال بالذكرى 115 للكاتب الروسي نيقولاي غوغول، وأقيم فيه النصب التذكاري الحالي للكاتب، بالقرب من منزله الذي عاش فيه، ويقال أيضًا إنه قد أحرق بعضًا من قصته الشهيرة الأرواح الميتة هنا، وفي عام 1935 تم افتتاح أول محطة لمترو الأنفاق “محطة كرابوتكينسكايا’ عند بدايته، أيضًا تم تصوير جزء من أحد الأفلام الروسية في جوجولفسكى بولفارد المعروف باسم “موسكو لا تصدق بالدموع” والحاصل على جائزة أوسكار، كما عاش في المنزل رقم 7 فاسيلي أصغر أبناء ستالين، يوجد أيضًا في الشارع نصب تذكاري.للكاتب ميخائيل شولوخوف (كان يعيش بالقرب من الشارع) والحائز على جائزة نوبل في الأدب، حيث يجلس في قارب، وحول القارب مسطحات مائية لنهر وهمي تسبح على طوله الخيول والتي كانت من أكثر المشاهد الدرامية في روايته الدون الهادئ، كل مبنى في هذا الشارع له جاذبية خاصة، وعلى جانبي جوجلفسكى بوليفارد مباني سكنية وقصور زارها أعلام الأدب الروسي مثل تورغنيف، أوستروفسكي، رحمانينوف، تشايكوفسكي، وغيرهم.

 

نيكيتيسكى بوليفارد:

يبدأ نيكيتيسكى بوليفارد من بوابة أرباط، وينتهي عند ميدان بوابة نيكيتسكي، ويبلغ طول شارع نيكيتسكي 530 مترًا، وأهم ما يميزه هو كثرة أشجار الزيزفون العالية في وسط الشارع، وشجيرات الزينة، وأزهار كثيرة ، يمر وسطها ممر طويل للمشاة، وأيضًا به أجمل المنازل في الشارع، المنزل رقم (8a)، الذي يشغله الآن مجلس الصحفيين الروس، ومتحف الدولة لفنون شعوب الشرق الأقصى والذي يوجد به أكبر مجموعات الفنون في روسيا من عدد من بلدان الشرق الأقصى والقوقاز وكازاخستان وآسيا الوسطى.

كما يوجد شبكة حديدية في وسط الشارع تعرض عليها صور وأعمال فنية لفنانين معاصرين، ونصب تذكاري للشاعر والكاتب يسنن وهو أحد المعالم الأثرية التي أقيمت في عام 1995م، ومنزل الممثلة الروسية العظيمة ماريا يرمولفا، ومبنى وكالة الأنباء الروسية تاس، ومنزل سكن فيه المستكشفين القطبيين وهو مثال واضح لأناقة وفخامة الهندسة المعمارية السوفيتية.

 

تفيرسكايا بوليفارد:

هو الأقدم والأطول في بوليفارد موسكو، حيث يمر من ميدان بوابة نيكيتسكى إلى ميدان بوشكين، وأهم ما يميزه هو أن عمر أشجاره أكثر من 200عام، أشجار البتولا والزيزفون، أضيفت لهم القيقب، البلوط، الدردار، شجرة التنوب، كل مبنى وكل قصر وكل منزل في هذا الشارع له تاريخ حافل، ففيه عاش كبار الشخصيات والنبلاء والقادة العسكريون والسياسيون والمفكرون والأدباء والفنانون والشعراء، وفيه تم تشييد النصب التذكاري للشاعر “الكسندر سيرجيفتش بوشكن” كبير شعراء روسيا عام 1880، وفي عام 1995 تم تركيب نصب تذكاري لألمع شاعر روسي في القرن العشرين “سيرجي الكسندرفيتش يسينين”، وعلى مر الزمان كان ومازال المكان المفضل لأهل موسكو للمشى، ويتم تزيينه في أعياد رأس السنة، وبالقرب من شارع تفيرسكايا يوجد أشهر كافيه في موسكو كافيه بوشكن.

هذا، ويوجد أكثر من 3,500 شارع وممر وطريق سريع في موسكو، وتتميز كلها بالنظافة والأضواء المبهجة طوال الليل، فواقع الأمر أن موسكو وشوارعها هي مزيج من الحداثة والتاريخ والعراقة والأناقة، في المساء تتلألأ أضواؤها فتسحر القلوب وتخطف الأنظار.

هذه السلسلة من المقالات عن السفر والسياحة في روسيا تحت نافذة”روسيا التي لا تعرفها” تنشرها صحيفة الأحساء اليوم، بالتعاون مع المرشد السياحي أحمد فايز، وهو مصري عربي روسي، يعيش في موسكو منذ أكثر من 25 عامًا، ويعمل هناك مرشدًا سياحيًا باللغة العربية؛ وتهدف إلى إثراء الحصيلة المعرفية للقارئ العربي ومساعدته على التعرّف على روسيا عن قرب.

التعليقات مغلقة.