الدون الهادئ وملحمة القوزاق

Estimated reading time: 12 minute(s)

موسكو – أحمد فايز

كتبَ الأديب الروسي ميخائيل شولوخوف، روايته الرائعة “الدون الهادئ” على مدار 12 عامًا امتدَّت من عام 1928م حتى عام 1940م، وقد استلهمَ اسم روايته من نهر الدون الذي يجري هادئًا مطمئنًا في جنوب روسيا، بداية من قرية تتارسكي القَوْزاقيّة، ووصولًا إلى موسكو، وتعد من أفضل روايات الكاتب، واعتبرها النقاد بمثابة الرواية الأعظم عن الحرب العالمية الأولى والثورة الروسية، حيث تدور أحداث الرواية حول التطورات والأحداث التي جرت في روسيا في أثناء الحرب العالمية الأولى، وتحديدًا عند سقوط الإمبراطورية الروسية وبداية الثورة البلشفية، فهي ملحمة تسلط الضوء على قوزاق الدون وحروبهم وحياتهم وأفراحهم، ومآسيهم وقصص عشقهم، وأحلامهم، فقد نجح شولوخوف من خلال روايته في أن يحقق التوافق بين العنصر التاريخي والعنصر الإنساني، إذ يرى النقاد أن أسلوبه في سرد وقائع الثورة كان أشبه بما فعله هوميروس عن حرب طروادة في “الإلياذة”، فالحقد فتح بابًا لكشف العواطف الإنسانية، فمثلما كان هكتور أكثر إنسانية من كافة أبطال المأساة اليونانية، فإن البطل المحوري للرواية “جريجوري ميليخوف” كان أكثر إنسانية مع كل من حوله، وهو الشخص الذي لم يجد مكانًا له بين الثوار، ولذا عاش حياته مغامرًا، ينتقل من مأساة لأخرى فهو يختلف مع الثوار مثلما يختلف مع الأشخاص الذين ينتمون إلى عهد القياصرة والنبلاء.

وقد حصل شولوخوف بفضلِ هذه الرواية على جائزة نوبل للآداب عام 1965م، وقد رحّبت السلطات الروسية بمنحه الجائزة، واعتبرته نصرًا للأدب الروسي، على عكس ما حدث عام 1958، عندما فاز بها بوريس باسترناك، الذي امتنع عن تسلّمها حسب تعليمات السلطات، لكونها منحت عن روايته الشهيرة “دكتور جيفاجو”، والتي كانت تحوي انتقادًا للسياسات السوفيتية، أمضى الأديب ميخائيل شولوخوف معظم حياته فى مسقط رأسه في إحدى قرى القوزاق الواقعة في منطقة روستوف على ضفاف نهر الدون في روسيا حتى وفاته عام 1984، عن عمر ناهز الثمانين عامًا. وحتى عام 1980، باعت الرواية حوالي 79 مليون نسخة، وترجمت إلى 84 لغة، وبوصفها “تحفة الأدب الروسي”، نالت جائزة ستالين عام 1941، ثم جائزة لينين للأدب عام 1960، وأخيرًا جائزة نوبل عام 1965، أما عن روايته الدون الهادئ، فيمكن التعرف عليها من خلال ثلاثة مشاهد كالتالي:

 

المشهد الأول:

تبدأُ أحداث الرواية بالفترة العصيبة لروسيا (1920-1915) عندما دخلت روسيا الحرب العالمية الأولى ضد الألمان، مرورًا بالثورة البلشفية ثم الحرب الأهلية ووصولًا إلى سيطرة القوات البلشفِية على منطقة الدون القوزاقية، وكيف أثرت تلك الحرب في حياة عائلات بأكملها من القوزاق، ويسرد لنا الكاتب تلك التفاصيل من خلال عائلة قوزاقية تعيش بالقرب من نهر الدون في قرية تتارسكى، تلك العائلة تتكون من بطل الرواية “جريجوري ميليخوف”، أو “جريشا” كما يحلو لعائلته وأصدقائه مناداته، شاب وسيم مليء بالطاقة ومبهج، يحب العمل ومساعدة أسرته، وكانت جدته امرأة تركية، له أخ أكبر “بيوتر”، وأخت أصغر، إضافة إلى زوجته نتاليا كورشونوفا، وإكسينيا زوجة جاره وعشيقته، يهرب من قريته لكي يستطيع البقاء مع إكسينيا فقط، والتي أحبها حبًا جارفًا هذا الحب الجارف يستمر جريانه على صفحات الرواية كجريان نهر الدون.

 

المشهد الثاني:

تبدأ الملحمة بالانتقال من نهاية أحداث الحرب العالمية الأولى على الجبهة الروسية الألمانية، إلى تصاعد القوة البلشفية وحدوث ثورة فبراير، وما تلاها من ثورة أكتوبر البلشفية 1917، وما بينهما من أحداثٍ دامية وتأتي مجرى تلك الأحداث على منطقة الدون وانقسام القوزاق ما بين مؤيدٍ للبلاشفِ ومؤيد للقوزاق البيض، مع وصفٍ دقيق للمعارك والمذابح المتبادلة بين جميع الأطراف، ينتهي بأن معظم الشخصيات المحورية يلقون حتفهم؛ بسبب الصراع والحرب الأهلية.

 

المشهد الثالث والأخير:

نرى تحول جريشا تحولًا ملحميًا من مقاتل في صفوف البلاشفة، إلى جندي متمرد في صفوف متمردي قرية تتارسكى، ثم قائدًا للفيلق الأول لجيش المتمردين، ثم يتراجع عن موقفه هذا، وكأنه كان عليه أن يعيش مع الثورة لا أن يعيشها، فيلقي ببندقيته، ومسدسه مع ما فيهما من طلقات في نهر الدون، ثم يعبره ليلتقي بولده الصغير (ميشكا) الذي يكون واقفًا على باب بيته. عاد جريشا إلى قريته تاتارسكي التي ولد فيها جدران الأكواخ مفطرة، كانت ذات يوم نظيفة وبيضاء، متداعية، هذا كل ما تركته الحياة له.

يسرد لنا الكاتب بشكل تفصيلي حياة القوزاق من خلال الأحداث والمحاورات النفسية للشخصيات، والتي يصل عددهم إلى 600 شخصية، عاداتهم وتقاليدهم معاناتهم وأحلامهم، وكيف عاشوا تلك الفترة العصيبة.

وتبقى أهم المحاور للرواية وهي المحاكمة الأخلاقية للحرب وتأثيراتها والجدوى منها، إما على لسان جريشا، أو على لسانِ المسنين الذين يظهرون تبعًا لأحداث الرواية، فتجسيد الحرب الأهلية الروسية بأعنف صورها عبر تلك الصفحات، جعل القارئ حائرًا مع من يتعاطف!.

هذه السلسلة من المقالات عن السفر والسياحة في روسيا تحت نافذة”روسيا التي لا تعرفها” تنشرها صحيفة الأحساء اليوم، بالتعاون مع المرشد السياحي أحمد فايز، وهو مصري عربي روسي، يعيش في موسكو منذ أكثر من 25 عامًا، ويعمل هناك مرشدًا سياحيًا باللغة العربية؛ وتهدف إلى إثراء الحصيلة المعرفية للقارئ العربي ومساعدته على التعرّف على روسيا عن قرب.

التعليقات مغلقة.