قصة وصول الإسلام إلى روسيا

Estimated reading time: 12 minute(s)

موسكو – أحمد فايز

إن من يزور روسيا اليوم يفاجئ عندما يعرف أن في روسيا مدن كاملة ومقاطعات أغلبية سكانها مواطنون روس مسلمو الديانة أبًا عن جد؛ فمثلًا في مدينة كازان عاصمة تتارستان حاليًا، وأيضًا مدينة أوفا عاصمة باشكورتوستان، أغلبية سكانهما من المسلمين، وهما يتبعان الاتحاد الفيدرالي الروسي، إضافة إلى كل من داغستان، والشيشان، وإنجوشتيا، وقبردينو- بلقاريا أيضًا مسلمون، لم نكن نسمع عنهم من قبل إلا القليل! بل كنا نعرف أن الاتحاد السوفيتي هو دولة إلحادية شيوعية تتبع الماركسية اللينينية، وكانت ضد الدين بشكل صريح وواضح، هذا أمر عجيب! إذن كيف؟ ومتى؟ وصل الإسلام إلى تلك البلاد الباردة والشاسعة المساحة؟ بحسب المؤرخين فإن الإسلام وصل روسيا أول مرة في القرن السابع، ثم في عهد الدولة الأموية، ثم تبعهما رحلة الرحالة العربي أحمد بن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة، وفي السطور التالية نعرف أكثر عن وصول الإسلام إلى روسيا.

 

عهد الخليفة عمر بن الخطاب

في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وصل العرب المسلمون إلى بلدة أطلق عليها العرب اسم مدينة “باب الأبواب”، وهي إحدى مدن جمهورية الداغستان التي تقع في شمال القوقاز بجنوب روسيا الاتحادية حاليًا، وأيضًا في عهده (رضي الله عنه)، ما بين سنتي (18- 24هـ / 638- 644م)، فقد قاد الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه) حملته إلى أذربيجان وأرمينيا، وقد تم توقيع الصلح على يد قائده عتبة بن فرقد السلمي، وقاد الحملة الثانية إلى الشرق من البلاد التي توجه إليها حذيفة الأحنف بن قيس، ففتح أراضي الديلم وطبرستان، وأفغانستان.

 

عهد الدولة الأموية

في عهد معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه)، تواصل امتداد الفتح الإسلامي حتى عبر الصحابي الحكم بن عمرو الغفاري سنة (50هـ- 670م) نهر جيحون وفتح بلاد أوزبكستان، ثم توالت الفتوحات، ففتح عبدالله بن زياد بخاري مدينة بيكند (تقع اليوم في أوزبكستان) سنة (55هـ – 674م)، ثم جاء سعيد بن عثمان ففتح سمرقند وهي مدينة في أوزبكستان أيضًا، وفي تلك المعركة استشهد الصحابي قثم بن العباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتح موسى بن عبدالله بن خازم، مدينة ترمذ (بلد الإمام الترمذي) والتي تقع على مجرى نهر جيحون على الجهة الشرقية لجمهورية أوزبكستان سنة (70هـ-689م)، ثم جاء بعده قتيبة بن مسلم الباهلي، الذي يعتبر بحق فاتح بلاد ما وراء النهر، ووطد الإسلام فيها، ما بين سنتي (88- 96هـ / 706- 714م)، حيث وصلت جيوشه إلى حدود الصين، ووطد أركان الإسلام بتركمنستان وطاجكستان وقيرغيزيا.

 

رحلة أحمد بن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة

على مدى ثلاثة قرون ما بين القرن السابع وحتى العاشر كانت هناك حروب ونزاعات دولية تسببت في انهيار إمبراطوريات كبيرة وظهور قوى أخرى على الساحة، وتغير خريطة العالم، حتى وصلنا إلى الدولة العباسية والتي كانت دولة عظمى فاقت بإشعاعها الفكري الوهاج وحضارتها الخصبة المتلألئة، وصارت عاصمتها “بغداد” كعبة طلاب الشهرة فقصدها العلماء والمفكرون والكتاب والشعراء والأطباء والفنانون وأصحاب الحِرَفِ والتجار من كل جنس ومجموعة، وفي فترة الخلافة العباسية كانت توجد إمارة بلغار الشرقية يحكمها ملك والموجودة حاليًا في أراضي روسيا (تتارستان)، وبدأت القصة عام (310هـ- 921م) عندما أرسل ملك البلغار “ألمش بن يلطوار” (ملك الصقالبة) وفدًا إلى الخليفة العباسي المقتدر بالله في بغداد، طالبًا منه أن يرسل معهم من يعلمهم الإسلام وأحكامه، ويبني له مسجدًا وينصب له منبرًا ليقيم عليه الدعوة له في بلده وجميع مملكته، ويسأله أن يساعدهم في بناء حصن يتحصن فيه ولحماية البلغار من تهديدات الخزر الذين كانوا على دين اليهود، وقد أرسل الخليفة العباسي المقتدر بالله بعثة على رأسها ابن فضلان (أحمد ابن فضلان من أشهر الرحالة المسلمين العرب الذين كان لهم السبق في الكتابة عن الروس) إلى ملك الصقالبة، وبوصول ابن فضلان إلى مجلس الملك، اعتنق الإسلام، وكان بمعيته وفد من العلماء والفقهاء ورسول ملك الصقالبة المسلم بارس الصقلبي، استغرقت سنة تقريبًا ما بين أنهار وبحار ومغامرات من بغداد حتى الأراضي الروسية، وقد كان ابن فضلان يسجل كل ما يراه أثناء الرحلة، والمدهش في الأمر أن ما كتبه ابن فضلان، اعتبر من أفضل ما كتب في تاريخ الحياة الاجتماعية لسكان حوض نهر الفولجا عن الروس والبلغار والصقالبة؛ فقد تميز ابن فضلان بوصفه الدقيق بأسلوب ممتع وشيق، ولا زلنا ننعم بعد مضي ما يزيد على ألف عام بالصور التي نقلها عن عادات تلك الشعوب وتقاليدها، وحياتها الأخلاقية في ذلك العصر، وكان دقيق الملاحظة، يسجل أكثر مِمَّا يريده السائح، فيصف الحكم والأمراء، ورجال الشعب على حد سواء، وحاليًا يعتبر ما كتبه من أفضل وأهم المصادر في التاريخ الروسي لتلك الفترة حتى اليوم.

واليوم يعتبر المسلمون في روسيا اليوم هم الديانة الأكبر بعد الديانة المسيحية الأرثوذكسية، حيث يبلغ عدد المسلمين في روسيا من 25 إلى 30 مليون مسلم، علما أن عدد سكان روسيا الإجمالي يبلغ ما يقارب من الـ 142 مليون نسمة أي أن حوالي 25% من الشعب الروسي هم من المسلمين.

هذه السلسلة من المقالات عن السفر والسياحة في روسيا تحت نافذة”روسيا التي لا تعرفها” تنشرها صحيفة الأحساء اليوم، بالتعاون مع المرشد السياحي أحمد فايز، وهو مصري عربي روسي، يعيش في موسكو منذ أكثر من 25 عامًا، ويعمل هناك مرشدًا سياحيًا باللغة العربية؛ وتهدف إلى إثراء الحصيلة المعرفية للقارئ العربي ومساعدته على التعرّف على روسيا عن قرب.

التعليقات مغلقة.