رمضان في روسيا.. عبادات وعادات وأكلات شهية

Estimated reading time: 13 minute(s)

موسكو – أحمد فايز

يستعد الملايين من مسلمي روسيا لاستقبال شهر رمضان الكريم، والذي سيبدأ فلكيًا في روسيا يوم غد السبت، وينتهي بعد غروب الشمس يوم الأحد الموافق 1 مايو 2022، حيث ينتظرونه بشغف، فهم يعتبرونه فرصة ثمينة من أجل تثبيت دعائم الدين، ولتحقيق التقوى وتهذيب الأخلاق والقيام بأعمال الخير.

ويمثل المسلمون في روسيا، في الوقت الحاضر، الديانة الأكبر بعد الديانة المسيحية الأرثوذكسية، حيث يصل عدد المسلمين إلى نحو 28 مليون مسلم، إذ تضم روسيا العديد من الأقاليم التي يدين أهلها بالإسلام خاصة في جمهوريات شمال القوقاز: كالشيشان وداغستان وإنغوشيتيا، وكابردينا بلكاريا، وكاراتشايفا وتشيركيسا، إضافة إلى جمهوريتي باشكورستان وتاتارستان، ويعيش نحو ثلاثة ملايين مسلم في العاصمة موسكو من قوميات وأصول مختلفة، بما في ذلك الأوزبك والطاجيك والتتار والبشكير والكازاخ والقرغيز، أكثرهم من المسلمين السنة من أتباع المذهبين الحنفي والشافعي.

ويحرص مسلمو روسيا في هذا الشهر الكريم على ارتياد المساجد، التي يزيد عددها على ثمانية آلاف مسجد في روسيا، لأداء الصلوات والدعاء، والإفطار الجماعى، وممارسة حياتهم اليومية الطبيعية دون أي تغيير في مواعيد العمل أو الإجازات، فكل ما يحيط بك لا ينبئك بوجوده تمامًا، فالمحلات مفتوحة وعادات الناس اليومية من أكل وشرب لا تتغير، على عكس ما يحدث في معظم الدول الإسلامية، ويعتبر شهر رمضان بالنسبة لمسلمي روسيا أفضل شهور العام، وهم لا يختلفون في ذلك عن غيرهم من المسلمين، فهم يجدون في الإمساك عن الطعام والشراب صحة للبدن وطهارة للروح.

وبالرغم من اختلاف العادات والتقاليد في مجتمع متعدد الأعراق والقوميات، يحرص المسلمون الروس في هذا الشهر الكريم على أداء الصلوات في المساجد خصوصًا صلاة التراويح، وتختلف الأجواء الرمضانية في روسيا من جمهورية لأخرى باختلاف طول فترة الصيام فيها، والتي قد تمتد لأكثر من 20 ساعة في مدينة مثل مورمانسك الواقعة على الساحل الشرقي لخليج كولا، وهي أطول فترة في العالم، وتقوم المساجد الرئيسية الروسية بختم القرآن الكريم على مدار الشهر الكريم.

وعند حلول شهر رمضان المبارك في روسيا يزداد النشاط الشبابي على شبكات التواصل الاجتماعي من خلال تشكيلهم مجموعات متخصصة يتبادل فيها الأعضاء نصائح وإرشادات الصيام، ويعلنون فيها عن الفعاليات المختلفة والإفطار الجماعي في “الخيم الرمضانية” والتي تنتشر في الأماكن المجاورة لمساجد روسيا في السنوات الأخيرة، حيث يتردد على كل خيمة ما بين 100- 1000 شخص يوميًا من المسلمين وضيوفهم من غير المسلمين، يتولى تنظيمها مجلس المفتين الروس مع السلطات المحلية، ويتم تقديم مأكولات شعبية تشتهر بها الأقاليم الروسية المسلمة، فضلًا عن تنظيم مسابقات للأطفال في حفظ القرآن الكريم.

وتعتبر صلاة التراويح في المساجد شيئًا مقدسًا لدى الكثير من أبناء المسلمين في روسيا، فمع تأخر الوقت وقلة الأماكن لصغر المساجد إلا أنها تستقبل يوميًا عشرات الآلاف ما يجعل الشوارع المجاورة تكتظ بالمصلين الذين جاءوا من كل حدب وصوب، ويصلي المسلمون الروس صلاة التراويح كل يوم عشرين ركعة، ويزيد عدد المصلين كل رمضان، وتشارك العديد من الدول العربية والإسلامية في إقامة مثل هذه الموائد عن طريق البعثات الدبلوماسية؛ مما يشعر المسلم الروسي بعمق الروابط بينه وبين باقي شعوب العالم الإسلامي.

وليست المساجد فقط هي التي تحتفي بقدوم شهر رمضان المعظم، ولكن أيضًا في داخل المنازل فمن العادات المنتشرة بين مسلمي روسيا إجراء تنظيف كبير للمنازل قبل بداية الشهر الكريم، ويقومون أيضًا بتزيين المنازل بأكاليل وبالونات لإسعاد الأطفال، وتقوم السيدات بإعداد أشهى الأطباق، وتجهيز أفضل الملابس، إضافة إلى حرص المسلمين الروس على توزيع الصدقات والتي يعتبرونها من الطقوس الواجبة، فيتبرعون إما بالمال أو بالطعام، كذلك يقومون بدعوة إمام أو قارئ للقرآن على الإفطار إلى المنزل، وهي عادة ارتبطت بهذه الشعوب على اختلاف قومياتهم وأعراقهم، ومن الضرورة أن يترافق مع ذلك الدعاء وقراءة جميع الحاضرين لبعض آيات من القرآن الكريم للبركة والتبرك بغض النظر عن العمر، ومع الشاي يلقي الشيخ موعظة أو درسًا؛ مما يترك أثرًا طيبًا في المدعوين، كما يساعد على تحفيز غير المتدينين إلى الالتزام بالتعاليم الإسلامية.

وعلى صعيد الأكلات والمشروبات الرمضانية في روسيا، فيوجد منها العديد مثل: مشروب الكمبوت وهو مجموعة من الفواكه المجففة المنقوعة في الماء، ولكون أن نهار الصائمين في روسيا طويل، فإن أول ما يتمناه المرء هو إرواء العطش لديه، ولا يكون ذلك إلا بالكمبوت اللذيذ، وبعدها يتناول الصائمون أنواعًا مختلفة من السلطات مثل: سلطة فينيجريت الروسية المعدة من البنجر المسلوق مع البطاطس والبازلاء، وسلطة أوليفيه الروسية الشهيرة، ثم تأتي الوجبة الرئيسية من اللحوم والأسماك، وكذلك المحاشي من كوسا وبندورة وباذنجان، وأيضًا البط المحشي بالتفاح الحامض مع المكسرات، إلى جانب شتى المأكولات المصنوعة من العجين والفطائر الروسية، والتي تعتبر بحد ذاتها وجبة دسمة، وفي العزائم والزيارات يعدون بعض الحلويات مثل: كيك العسل، أوتشاك-تشاك) خبز مسطح مملوء بالبخار يتم تخميره في شراب العسل، وغالبًا ما يزين بالفواكه المجففة والمكسرات (وهو الطبق الوطني لتتارستان).

نتمنى لكم صومًا مقبولًا وإفطارًا شهيًا، وتقبل الله منا ومنكم، وكل عام وأنتم بخير.

هذه السلسلة من المقالات عن السفر والسياحة في روسيا تحت نافذة “روسيا التي لا تعرفها” تنشرها صحيفة الأحساء اليوم، بالتعاون مع المرشد السياحي أحمد فايز، وهو مصري عربي روسي، يعيش في موسكو منذ أكثر من 25 عامًا، ويعمل هناك مرشدًا سياحيًا باللغة العربية؛ وتهدف إلى إثراء الحصيلة المعرفية للقارئ العربي ومساعدته على التعرّف على روسيا عن قرب.

التعليقات مغلقة.